فمرحبا بك -أخي الكريم-، وردا على استشارتك أقول:
اعلم أن كل أمور الكون تسير وفق قضاء الله وقدره كما قال سبحانه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقال عليه الصلاة والسلام: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له اكتب، قال وما أكتب، قال: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس) والكيس الفطنة.
ربنا -جل في علاه- قد بين لنا سبل الخير وأمرنا باتباعها، وبين لنا سبل الشر وأمرنا باجتنابها، فقال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وقد جعل الله لعباده الحرية في اختيار الطريق ولم يجبره على شيء، وقد علم الله في الأزل أن العبد سيسلك هذا الطريق أو ذاك ولذلك قدر عليه ما علمه منه.
ما يصيب الإنسان من بلاء إنما هو بسبب ما جنته يداه والله لا يظلم أحدا من خلقه، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ).
قد يبتلي الله العبد لينظر شكره أو ثباته، وقد يكون في ذلك الابتلاء إمهالا له لعله يتوب ويرجع، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
السعادة في الدنيا مرهونة بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
ضيق الصدر والعيشة الضنكة نتيجة حتمية للبعد عن الله سبحانه، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا).
من رحمة الله بعباده أن جعل لكل شيء سببا، ولا بد من اتباع تلك الأسباب، فالرزق يحتاج من العبد أن يسعى ويجتهد في تحصيل الأسباب مع التوكل على الله سبحانه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا)، فانظر كيف ربط بين التوكل على الله وبين عمل السبب؛ إذ قال في الطير إنها تخرج من أوكارها في الصباح جائعة وتعود بعد ذلك وقد شبعت.
من أسباب بسط الرزق صلة الأرحام، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (من أراد أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، فليصل رحمه).
قم بإعادة صياغة حياتك على التفاؤل وحسن الظن بالله والنظر إلى الحياة بتفاؤل، واستبدل الرسائل السلبية التي كبلتك عن الانطلاق وتحمل الصعاب برسائل إيجابية، وأمعن معي النظر في قول الصحابة حين أتي برجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر من شرب الخمر، فقال الصحابة: (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به) فلما كان لهذه الرسالة السلبية تأثير على نفسية الرجل تجعله يستمر في الإدمان محى عليه الصلاة والسلام تلك الرسالة بأخرى إيجابية تعزز من ثقة الرجل بنفسه وتدفعه نحو التغيير، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوه إنه يحب الله ورسوله)، فكيف تتصور نفسية هذا الرجل بهذه الشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام، ولما أتاه بعض الصحابة وكانوا قد تركوا الخطوط الأمامية للمواجهة في القتال، فقال لهم: من أنتم؟، قالوا: نحن الفرارون، قال: بل أنتم العكارون، يعني المنحازون إلى قائد الجيش.
عد إلى الله تعالى وأكثر من الاستغفار؛ فالاستغفار من أسباب الرزق كما قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).
من أسباب تفريج الهموم كثرة الاستغفار، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي الحديث (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).
يجب أن تكون عندك همة وعزم على التغيير (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى أن يصلح حالنا وحالك إنه سميع مجيب.
(المصدر: الشبكة الإسلامية)