أرشيف المقالات

فرويد ونظرية التحليل النفساني

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 للدكتور أحمد فؤاد الأهواني مذهب فرويد أو فلسفته من المذاهب التي لقيت رواجاً عظيماً في العصر الحاضر، وأحدثت انقلاباً في علم النفس، وانقسم العلماء بالنسبة لآرائه إلى فريقين: معسكر الأنصار والمحبذين والتلاميذ، ومعسكر المنكرين والناقدين.
ومن تلامذته الذين خرجوا عليه وكونوا مذاهب جديدة في تفسير الحياة الإنسانية (أدلر ويونج). ويرمي فرويد - كما يرمي غيره من علماء النفس - إلى تفسير الأعمال الصادرة عن الإنسان، فليس هنالك عمل نفسي مهما خيل إلينا أنه تافه يخلو من معنى.
فإذا بدا لنا أخذ هذه الأعمال عبثاً، فواجبنا أن نسعى إلى كشف العلة في حدوثه، والغرض الذي يرمي إليه، والنزعة التي دفعت إليه. ونضرب مثلا لما قدمنا يوضح ما يذهب إليه فرويد قبل أن ندخل في صميم نظريته: دخلت خطيبة إلى الحمام وخلعت خاتم الخِطبة ونسيت أن تلبسه ثانياً، ثم أخذت تبحث عنه ولم تهتد إلى مكانه.
نسيان الخاتم سلوك صدر عن الفتاة قد يفسره البعض أنه راجع إلى الشرود أو الانشغال أو الصدفة.
وكثير من الناس لا يجدون تعليلا لهذا العمل.
أما فرويد فيجعل السبب في ذلك رغبة الفتاة عن خطيبها وعدم رضائها عن الزواج، فتحركها هذه الرغبة الباطنة التي لاتشعربها، لأنها موجودة في اللاشعور إلى نسيان الخاتم، وهو رمز الزواج. هذه النظرة إلى الأعمال الإنسانية علمية وديناميكية. فهي علمية لأن فرويد يحاول ربط المظاهر بالأسباب كما يجرى في عالم الطبيعة.
فهي نظرة جبرية وليس هذا مما يعاب على فرويد، بل على العكس مما يمدح به محاولته هذا التفسير الجبري الذي بدونه لا يستقيم العلم الصحيح، بل يخرج علم النفس من ميدان العلوم. وهي نظرة ديناميكية، لأنه يجعل للنفس الإنسانية قوى متحركة يصدر عنها السلوك.
وفي ذلك يقول في كتابه (مدخل إلى التحليل النفساني) ما يأتي: (ليس غرضنا أن نصف ونرتب المظاهر فحسب، بل نريد أيضاً أن نراها علامات على حركة القوى العاملة في النفس، كأنها مظاهر ميول لها غرض محدود، سواء أكانت هذه الميول تعمل في اتجاه واحد أم في اتجاهات متعارضة.
إننا نسعى وراء تكوين نظرة ديناميكية للمظاهر النفسية) وقد أوردت هذا النص لعلة، ذلك أن أحد الباحثين في علم النفس، وهو الدكتور يوسف مراد المدرس بكلية الآداب قال في كتابه (شفاء النفس) ص95 ما يأتي: (تمتاز فلسفة فرويد بكونها ميكانيكية جبرية، فإنها تنظر إلى الإنسان كأنه آلة عديمة الحرية خاضعة كل الخضوع لقوى خفية لا يمكن التغلب عليها إلا بالحيلة).
وقال في مكان آخر: (أما فلسفة ادلر، فهي على نقيض فلسفة فرويد، تمتاز بكونها غائية اختيارية تفاؤلية.
ونعلم أن المذهب الغائي على نقيض المذهب الميكانيكي) ص97 - 98.
فهو يجعل مذهب فرويد ميكانيكياً ويقول الطبيبان ريجي وهسنار في كتابهما التحليل النفساني ص15: (إن نظرية فرويد تمثل الحياة النفسية في نظرة موضوعية على طريقة النظر إلى الوقائع العلمية، كما تمثلها مذهباً يتطور باستمرار، يحتوي على قوى أولية متعارضة أو مكونة أو منتجة.
ونستطيع تطبيق اصطلاح علم النفس الديناميكي على هذه النظرة الديناميكية للعقل) وقد أخطأ الدكتور يوسف مراد خطأ آخر ص97: (وأخيراً يجب أن نشير إلى الشجاعة التي واجه بها فرويد المشكلة الجنسية وإلى الدقة الفائقة التي حلل بها مختلف مظاهر الوظيفة الجنسية، غير أنه أسرف، وخاصة تلامذته، في إرجاع كل ظاهرة سلوكية إلى الغريزة الجنسية) وليس الأمر كذلك عند فرويد، لأنه لا يرجع كل شيء إلى الغريزة الجنسية، بل بعض تلامذته، وأولئك الذين كتبوا عنه كتابات شعبية تحمل معنى التعميم والتبسيط.
وقد دافع فرويد عن نفسه ضد الذين يخطئون فهمه فقال: (لقد كررت وأعلنت بكل وضوح ما استطعت إلى ذلك سبيلا، بمناسبة الأمراض النفسية الانتقالية، أنني أميز تماماً بين الغريزة الجنسية وبين الغريزة النفسية وأن اللبيد يعني نشاط الغريزة الجنسية.
إنه يونج - لا أنا - الذي يجعل من اللبيد مساوياً للدافع الغريزي لجميع القوى النفسية). وقال فرويد في موضع آخر: (لم يغفل التحليل النفساني مطلقاً وجود ميول غير جنسية، وقد أقام التحليل النفساني بناءه على مبدأ الفصل التام الواضح بين الميول الجنسية والميول المتصلة بالذات أو الأنا وقد أثبت التحليل دون انتظار الاعتراضات الموجهة إليه، أن الأمراض النفسية ليست نتيجة الغريزة الجنسية، بل نتيجة الصراع بين الأنا والغريزة الجنسية وهنا نجد أن الدكتور يوسف مراد في خطأ ثالث إذ يقول: (إذ ليس هذا رأي فرويد كما رأينا، لأن المرض قد يقع نتيجة الصراع بين الغريزة الجنسية والأنا في حالة الشعور، وقد يكون الصراع في اللاشعور فقط.
فالعنين الذي يشعر بعجزه عن مباشرة المرأة يضطرب نفسانياً لشعوره بالضعف). والغريب أن الدكتور يوسف مراد أنصف نظرية فرويد ص86 بقوله: (والواقع أن المشكلة النظرية التي أثارها التعارض بين فرويد وادلر لا تزال حتى الآن متعلقة.
بل يبدو أن النزاع بين الفريقين يزداد عنفاً ويتجاوز حدود المناقشة العلمية الهادئة إلى أساليب التهكم والتحقير).
ثم عاد وحقر نظريته بما يخرج عن الأسلوب العلمي. وأذكر الآن حالة مريض عالجته على طريقة فرويد لأثبت صحة نظريته.
جاءني شاب يشكو ضيقاً وقلقاً وتبرماً وانصرافاً عن الاستذكار، وتبلغ سنه اثنين وعشرين عاماً، يعيش مع أخيه الأكبر، يتناول من والده مرتباً لمصروفه الشخصي أربعة جنيهات في الشهر.
سألته عن أحوال الجنسية فقال: إنه يتصل بالعاهرات، ولكنه لا يستطيع الزواج نظراً للظروف الاجتماعية إذ لا يزال طالباً، ولا يستطيع الصبر عن المرأة.
وبالبحث اتضح أن ضميره يؤنبه على هذه الصلة غير الشريفة، فهناك صراع بين الغريزة الجنسية وبن نفسه الخلقية، وكلاهما كان في مستوى الشعور، وحلت المشكلة بتعليمه التسامي بالغريزة الجنسية نحو الموسيقى التي برع فيها. وحيث كان فرويد يجعل للغريزة الجنسية أهمية كبيرة في حياة الإنسان، ويجعل لتجارية الماضية المسجلة في اللاشعور أثراً في سلوكه الحاضر، فقد بحث في الحياة الجنسية للفرد منذ ولادته، حتى دور المراهقة، وافترض أن الرضيع يشعر بلذة جنسية من امتصاص ثدي أمه ومن إخراج الفضلات ومن الملامسة مما لا يتسع تفصيله الآن وإنما نذكر أهم الاعتراضات العلمية التي توجه إلى نظرية فرويد لتكون ماثلة بالبال وأولها أن نسبة لذة جنسية إلى الرضيع والصغير فيها شيء كثير من الإسراف والغلو بل الجرأة.
ثم إن فرويد يقيم بناء نظريته على دراسة المرضى والشواذ، ويتخذ من هؤلاء سبيلا إلى أحكام عامة يصدرها على سواد الناس وهم الأغلبية، فيحكم بالخاص على العام، وبالشاذ على السليم.
كما أنه لا يعني أن تفسر شخصية الإنسان في ضوء الغريزة الجنسية، ولو عكسنا لأصبنا الحق، فتصبح الغريزة الجنسية وما يتبعها من مظاهر إحدى وظائف الفرد التي تدخل في حسابنا، وليست كل وظائفه على رأي المغالين في مذهب فرويد. أحمد فؤاد الأهواني

شارك الخبر

المرئيات-١