أرشيف المقالات

الوفاء بالمواثيق من سماحة الإسلام

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2الوفاء بالمواثيق من سماحة الإسلام

قال - تعالى -: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 91].
 
وقد أراد الله أن تكون هذه السمة من سمات هذه الأمة راسخةً في كيانها، بعد أن أخبر عن أهل الكتاب أنهم يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً، وبعد أن أخرج هذه الأمة لتكونَ هي القائدة والرائدة، والشاهدة على كل الأمم يوم القيامة.

 
ولقد وفَّت هذه الأمة بعهدِها بالفعل، وصار الوفاء بالمواثيق خُلقًا لها، تتميز به في وسط الجاهلية المحيطة بشعوب الأرض، وكان الجيل الأول كما عهدناه أشدَّ الأجيال تمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ربَّاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هدى القرآن الكريم، حينما عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلح الحديبية مع المشركين من قريش، وحينما عاهد اليهود...
إلخ.

 
إن العهد الذي يبرمه المسلم هو عهد معقود باسم الله، إنه جزء من "الميثاق" الذي يلتزم به المؤمن تُجَاه ربه، ليس أمرًا تتدخل فيه "المصلحة" القريبة أو البعيدة، الظاهرة أو الخفية، فيلتزم إذا بدَت المصلحة في غيره! إن هذا هو دَيْدَن الجاهليات فيما تبرمه من المواثيق..
تبرمه وهي تعتزم الوفاء به، إلا ريثما تجد الوسيلة لنقضه، وفي اللحظة التي تبدو لها المصلحة في نقضه فإنه حبر على ورق ولا أكثر!
 
"وجاهلية القرن العشرين أبرز مثال على ذلك في مواثيقها الدولية، ما أسهل ما تبرم الميثاق، وما أسهل ما تنقضه في لحظات! أما المؤمنون الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، فهم وحدهم الذين لا تحركهم المصلحة؛ إنما يحرِّكهم الحرص على مرضاة الله"[1].
 
"يقول الله وهو يوجِّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - والأمة المسلمة من ورائه: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58]، وهذه هي أخلاقيات المسلم وسماحة الإسلام في المواثيق، حتى مع الكافرين الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، والذين نتوقع منهم الخيانة في أي لحظة من اللحظات، ينبذ إليهم عهدهم أولاً، ثم يُقاتَلون بعد ذلك، ولكن لا يغدر بهم والميثاق قائم، ووعت الأمة الإسلامية التوجيه الرباني وطبَّقته في عالم الواقع، فكانت منه في حياتها أعاجيب"[2].
 
وعمر - رضي الله عنه - يقول لقائده في حرب فارس: "وإذا لاعب أحدكم أحدَ العُلُوج، فظنَّ هذا أن المسلم يعطيه عهد أمان، فأنفذه له"!
 
يا لله! ويا لروعة المرتقى! إنه ليس عهدًا في الحقيقة، ولكنه مجرَّد توهم من جانب الفارس أن الجندي المسلم قد أعطاه أمانًا! فيقول عمر لقائده: فأنفذه له! إنه ليس فقط إنفاذ العهد الذي لم يصدر من الجندي، ولكنه كذلك إلزام القائد بعهد توهم العدوُّ أن واحدًا من جنود المسلمين قد أعطاه! هل سمع أحد بمثل هذا في التاريخ؟!
 
ومعاوية في هدنة مع الروم، ولكن تأتيه عيونه بأنباء تفيد أن القوم يستغلون الهدنة للاستعداد لهجوم مفاجئ على المسلمين، فيهمُّ معاوية أن يفاجئهم قبل أن يكملوا عدتَهم، ولكن مستشاريه يأبَون عليه، يقولون: إما أن ننبذ إليهم على سواء كما أمر الله، وإما أن تنتظر حتى نهاية العهد ثم تناجزهم.
 
وينتظر معاوية، وينصر الله جيشه! ضع مقابل ذلك ما فعله الصليبيون أيام صلاح الدين، كان المسلمون معهم في هدنة، ولكنهم غدروا وأخذوا المسلمين على غرة، فانحاز المسلمون إلى المسجد، فاقتحموه عليهم وأعملوا فيهم السيف، حتى غاصت الخيل في الدم إلى ركبِها، كما تروي مراجع الصليبيين أنفسهم!
 
وصدق الله وهو يقول عن الكفار - والكفر كله ملة واحدة -: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾ [التوبة: 10]، ومع ذلك فلم يشأ "صلاح الدين" - حين عادت الكرَّة له عليهم - أن يعاقبهم بمثل ما عاقبوا به؛ وإنما عاملهم بسماحة الإسلام[3]!
 
"وها هم المسلمون وقد أغاروا على الصليبيين، فأخدوا معهم صبيًّا رضيعًا من مهدِه، فوَجدت عليه أمُّه وجدًا شديدًا، واشتكت إلى ملوكهم، فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، وقد أُذِن لك أن تذهبي إليه فتشتكي أمرك إليه، قال العماد: فجاءت إلى السلطان، فأنهت إليه حالها، فرقَّ لها رقة شديدة حتى دمعتْ عينه، ثم أمر بإحضار ولدها، فإذا هو قد بِيعَ في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفًا حتى جيء بالغلام، فأخذتْه أمه، وأرضعتْه ساعة وهي تبكي من شدة فرحها وشوقها إليه، ثم أمر بحملها إلى خيمتها على فرس مكرَّمة - رحمه الله تعالى وعفا عنه"[4].




[1] واقعنا المعاصر ص 81 - 83 بتصرف.


[2] واقعنا المعاصر ص 83 بتصرف.


[3] واقعنا المعاصر (ص 84، 85).


[4] البداية والنهاية لابن كثير (ج 12 ص 342) بتصرف، الطريق إلى بيت المقدس د: جمال عبدالهادي، محمد مسعود ص 126 بتصرف.

شارك الخبر

المرئيات-١