أرشيف المقالات

الله لا يحب الخائنين

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2الله لا يحب الخائنين

قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال: 58]، جاء في المعجم الوسيط: "خان الشيء خونًا وخيانة ومخانة: نقصه؛ يُقال: خان الحق، وخان العهد والأمانة لم يؤدها أو بعضها، وفلانًا غدر به، والنصيحة لم يُخلص فيها، ويقال: خانه سيفه: نبا عند الضريبة، وخانته رجلاه: لم يقدر على المشي، وخانه ظهره ضعف"[1].
 
وقال الزَّبيدي في "تاج العروس من جواهر القاموس": "الخَونُ: أن يُؤتَمَنَ الإنسانُ فلا يَنصَحَ؛ خانَهُ، خونه خَوْنًا وخِيانَةً"[2]، وإنْ كانت الآية تخصُّ خائني عهود ومواثيق السِّلم، فإنَّ خاتمة الآية جاءت لفظًا عامًّا بأنَّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾.
 
جاء في تفسير البيضاوي: "وإما تخافنَّ من قوم "معاهَدين" خيانة "نقض عهدٍ بأمارات تلوح لك" فانبذ إليهم "فاطرَح إليهم عهدهم" على سواء "على عدل وطريق قصد في العداوة"، ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد، وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول؛ أي: ثابتًا على طريق سوي، أو منه أو من المنبوذ إليهم، أو منهما على غيره"[3].
 
فالخيانة خلُق مذموم، لا يفعلها إلا من كان مريض القلب، والخائن ملعون، ولا يُسمح للمؤمن أنْ يكون خائنًا ألبتَّة، بل لا ينبغي للمؤمن المسلم أنْ يوالي الخائن أو يُساعده بأي شكل من الأشكال، وتحت أي ذريعة من الذرائع؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]، فالخيانة جرم عظيم في شرائع ربِّ العالمين، ولا يسمح لأحد مهما كانت منزلته حتى لخَليل الله محمد صلى الله عليه وسلم أنْ يخاصم عن الخائنين؛ فإنهم فئة لا يحبهم الله - جل جلاله - ذلك أن نفوس الخائنين خبيثة.
 
والنفس الخائنة تخون في الأمور الصغيرة والكبيرة، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 71]، فشيمة الخائنين أنهم يغدرون بمن يَأتمنهم أو بمن يُبرم معهم العهود والمواثيق، ولكن غدَرات وفجرات الغادِرين لن تذهب من غير حساب، وسيكون لهم حساب شديد يوم القيامة، وقبل ذلك سيُفضحون على رؤوس الأشهاد؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الغادر يُنصَب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان"[4]، فكيف مَن يغدر بعهد الله - جل جلاله - ورسوله صلى الله عليه وسلم.
 
فمن أجل كل ذلك حذَّر الله - جل جلاله - المؤمنين من الخيانة تحذيرًا شديدًا، وبخطاب مُبين صريح، لما يتبعها من حسـرة وندامة؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]؛ لأنَّ من خان سقط من نظر الله - جل جلاله - ومن سقط من نظر الله دخل فيمن لا يحبهم الله - جل جلاله - يقول الإمام الشافعي - رحمه الله -:






ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خَليلَهُ
ويلقاهُ من بعد المودةِ بالجَفا


ويُنكرُ عَيشًا قَد تَقادمَ عهدُهُ
ويُظهرُ سرًّا كان بالأمسِ في خَفا







 
ثم يُبين القرآن الكريم دواعي الخيانة والأسباب المؤدية لها في الآية التي تلي هذه الآية التي يحذر فيها الله - جل جلاله - المؤمنين من الخيانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 28]، فإذا وقع حُبُّ المال في قلب الفرد، صار يسلك كل السبل ويستخدم ما يتوفر من الوسائل لاكتسابه، ولعله أشرك أو كفر أو أنه اقترف الحرام في أقل الأحوال في سبيل ذلك، وبذلك يخون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والأمر يسـري على الأولاد، فالآباء يتعلقون بالأبناء ويكونون حريصين على توفير سبل الحياة الكريمة والرغيدة لهم، ولذلك قد يضطرون أنْ ينتهجوا ما ذكرنا في كسب الأموال فيَقعوا في نفس المُشكل.



[1] المعجم الوسيط، مجموعة من المؤلفين، (1 / 263).


[2] تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، 34، (ص: 499).


[3] تفسير البيضاوي؛ البيضاوي، (3 / 117).


[4] متفق عليه.

شارك الخبر

المرئيات-١