أرشيف المقالات

{فأمسكوهن بمعروف}

مدة قراءة المادة : 31 دقائق .
﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾
 
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 231 - 233].
 
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء ﴾عطفٌ على الآية قبلها ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ [البقرة:230]، عطفُ حكمٍ على حكم، وتشريعٍ على تشريع، لقصد زيادة الوصاة بحسن المعاملة في الاجتماع والفرقة، وما تبع ذلك من التحذير الذي سيأتي بيانه.
 
﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ قاربنَ انقضاء عدتهنَّ، وأضاف الأجل إليهن لأنه أمس بهنَّ، لأنهن اللاتي ينتظرن انقضاء الأجل، ليخرجن من حبس العدة، ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾: راجعوهنَّ بمعروف من غير ضررٍ بالمراجعة، ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾: اتركوهنَّ حتى تنقضي عدتهنَّ، ولا تضاروهن بالمرجعة.
 
وهذه الآية لا تَكرار فيها لحكم ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة:229]؛ لأن الآية هناك أفادت التخيير بين الإمساك والتسريح، في مدة العدة، وهذه الآية هنا أفادت ذلك التخيير في آخر أوقات العدة، تذكيرًا بالإمساك وتحريضًا على تحصيله، ويستتبع هذا التذكير الإشارة إلى الترغيب في الإمساك من جهة إعادة التخيير بعد تقدم ذكره.
 
﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ﴾: مضارة، وفسر بتطويل العدة، والضرار مصدر ضار، مستعمل للمبالغة في الضر، تشنيعًا على من يقصده بأنه مفحش فيه، ﴿ لَّتَعْتَدُواْ ﴾ لتظلموهن، وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء بالخلع، وهذا كالتوكيد لقوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾.
 
نزلت في ثابت بن بشار ويقال أسنان الأنصاري، طلق امرأته حتى إذا بقي من عدتها يومان أو ثلاثة، وكادت أن تبين راجعها، ثم طلَّقها ثم راجعها، ثم طلقها حتى مضت سبعة أشهر مضارَّة لها، ولم يكن الطلاق يومئذ محصورًا.
 
وهناك طريقة أخرى في الإضرار، قال في أضواء البيان: صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه ابتغاء السلامة من ضرره، وصرَّح في موضع آخر أنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدي منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [النساء:19]، واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة.
فقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي: النشوز والعصيان وبذاء اللسان، والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير.
 
وفي الآية: أن كل من عامل أخاه ضرارًا فهو معتد، فلا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة، وقد جاء في الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه)، وجاء في حديث آخر: (لا ضرر ولا ضرار)، فالمضارة بين المسلمين محرمة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ ﴾.

وأيضًا عناية الله عز وجل بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف، سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يقيم وَحدة الأمة، فإن الأمة إذا لم تتعامل بالمعروف - بل بالمنكر والإساءة - تفرقت واختلفت، فالأمة الإسلامية أمة واحدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران:103].
 
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾بتعريضها للعذاب، أو بأن فوت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن العشرة، ومنافع الدنيا من عدم رغبة التزويج به لاشتهاره بهذا الفعل القبيح؛ قال ابن عاشور: جعل ظلمهم نساءَهم ظلمًا لأنفسهم؛ لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة، واضطراب حال البيت، وفوت المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات، وظلم نفسه أيضًا بتعريضها لعقاب الله في الآخرة.
 
﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا ﴾لعبًا واستخفافًا؛ قال الزمخشري: "أي جدُّوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها وإلا فقد اتِّخذتموها هزوًا ولعبًا، ويقال لمن لم يجدَّ في الأمر إنما أنت لاعب وهازئ"، وقال في البحر المحيط: "وكان من عادة العرب عدم الاكتراث بأمر النساء والاغتفال بأمر شأنهن، وكنَّ عندهم أقل من أن يكون لهنَّ أمرٌ أو حق على الزوج، فأنزل الله فيهنَّ ما أنزل من الأحكام، وحدَّ حدودًا لا تتعدى، وأخبرهم أن من خالف فهو ظالم متعدٍّ، فأكد ذلك بالنهي عن اتخاذ آيات الله التي منها هذه الآيات النازلة في شأن النساء هُزوًا، بل تؤخذ وتتقبل بجد واجتهاد؛ لأنها من أحكام الله، فلا فرق بينها وبين الآيات التي نزلت في سائر التكاليف التي بين العبد وربه، وبين العبد والناس".
 
وقال ابن عاشور: "وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله، ومقاصد شرعه، ومن هذا التوصل المنهي عنه، ما يسمى بالحيل الشرعية بمعنى أنها جارية على صور صحيحة الظاهر، بمقتضى حكم الشرع، كمن يهب ماله لزوجه ليلة الحول ليتخلص من وجوب زكاته، ومن أبعد الأوصاف عنها الوصف بالشرعية.
 
فالمخاطبون بهذه الآيات مُحذَّرون أن يجعلوا حكم الله في العدة الذي قصد منه انتظار الندامة وتذكر حسن المعاشرة، لعلهما يحملان المُطَلِّق على إمساك زوجته حرصًا على بقاء المودة والرحمة، فيغيروا ذلك ويجعلوه وسيلة إلى زيادة النكاية، وتفاقم الشر والعداوة.
 
وفي "الموطأ" أن رجلًا قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة طلقة، فقال له ابن عباس: "بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوًا"، يريد أنه عمد إلى ما شرعه الله من عدد الطلاق، بحكمة توقع الندامة مرة أولى وثانية، فجعله سبب نكاية وتغليظ، حتى اعتقد أنه يضيق على نفسه المراجعة إذ جعله مائة.
 
وقال ابن عثيمين: تحريم اتخاذ آيات الله هزوًا سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزوًا أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عزّ وجلّ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة، وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عزّ وجلّ، وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك.
 
﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ﴾: مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [النحل:18]، وأما المراد بها الإفراد فهي التي خلت من الإضافة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ﴾ [النحل: 53].
 
والمعنى: اذكروا باللسان، وبالقلب، وبالجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشكرها؛ فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر.
 
والمراد: النعم الظاهرة والباطنة، وأجلها ما أنعم به من الإسلام ونبوَّة محمد علية الصلاة والسلام.
 
﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾: تنبيهًا للمأمورين وتشريفًا لهم، إذ في الحقيقة ما أنزل إلاَّ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنه لما كنا مخاطبين بأحكامه، ومكلفين باتباعه، صار كأنه نزل علينا.
 
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ معطوف على نعمة، وهو تخصيص بعد تعميم، إذ ما أنزل هو من النعمة، وخصه بالذكر مع كونه من النعم للعناية به، وهذا يسمى في علم البيان (التجريد)، كقوله: ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ بعد ذكر الملائكة في قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾[البقرة:98].
 
ومنة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل منة، يؤخذ ذلك من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على أهميتها.
 
﴿ مِّنَ الْكِتَابِ ﴾القرآن العظيم ﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾السنة النبوية ﴿ يَعِظُكُم بِهِ ﴾، والموعظة والوعظ: النصح والتذكير ترغيبًا وترهيبًا بما يلين القلوب، ويحذر الموعوظ.


وشريعة الله عزّ وجلّ كلها حكمة، ولذلك لا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا في طلب الحكمة، أو أن نتمحل حكمة بعيدة قد تكون مرادة لله، أو غير مرادة؛ لأننا نعلم أن كل ما شرعه الله فهو لحكمة، ومن الحكمة امتحان العبد بالامتثال فيما لا يعلم حكمته، ولهذا روى الإمام أحمد عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ [وإنما قالت ذلك؛ لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة]، قَالَتْ: قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قَالَتْ: قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنُؤْمَرُ وَلَا نُؤْمَرُ، فَيَأْمُرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا يَأْمُرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ، فجعلت الحكمة أمر الله ورسوله، أما السؤال عن الحكمة من باب الاسترشاد، فإن هذا لا بأس به، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حكمة بعض الأشياء؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة:189]، والسؤال على هذا الوجه من باب طلب العلم الذي يزداد به المؤمن إيمانًا وعلمًا، وأما السؤال عن الحكمة بحيث لا يستسلم الإنسان للحكم، ولا ينقاد إلا بمعرفتها، فهذا ضلال واستكبار عن الحق واتباع للهوى، وجعل الشريعة تابعة لا متبوعة.
 
﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾: لَما كان تعالى قد ذكر أوامرَ ونواهيَ، وذلك بسبب النساء اللاتي هنَّ مظنة الإهمال وعدم الرعاية، أمر الله تعالى بالتقوى، وهي التي بحصولها يحصل الفلاح في الدنيا والآخرة، وما أكثر ما يأمر الله عزّ وجلّ بالتقوى؛ لأن بالتقوى صلاح القلوب والأعمال، ثم عطف عليها ما يؤكد طلبها وهي قوله:
﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾، فالعليم لا يَخفى عليه شيء، ويعلم نياتكم في المضارة والاعتداء، وهو إذا علم مخالفتهم لا يحول بين عقابه وبينهم شيء؛ لأن هذا العليم قدير، فلا تلبسوا على أنفسكم.
 
وكرَّر اسم «الله» عز وجل في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ ﴾؛ لأن تكريره أفخم، وترديده في النفوس أعظم.
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء ﴾الزوجات،﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾؛ أي انتهت عدتهنَّ، ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾تمنعوهن، والخِطَاب للأولياء ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾هم المطَلِّقون، سموا أزواجًا باعتبار ما كانوا عليه، وإن لم يكونوا بعد انقضاء العدة أزواجًا حقيقةً، وسُمي الزوج زوجًا؛ لأنه يجعل الفرد اثنين بالعقد.

عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ: زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي [اسمها جُميلة] مِنْ رَجُلٍ [هو البداح بن عاصم الأنصاري] فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتَهَا خَطَبَهَا، فَقُلْتُ: زَوَّجْتُكَ، وَفَرَشْتُكَ، وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا فَلاَ وَاللَّهِ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا قَالَ: وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ، وفي رواية: قال معقل فكفرت عن يميني وأرجعتها إليه.
 
والمرأة إذا رأت الرغبة من الرجل الذي كانت تألفه وتعاشره، لم تلبث أن تقرن رغبته برغبتها، فإن المرأة سريعة الانفعال قريبة القلب، فإذا جاء منعٌ فإنما يجيء من قِبَل الأولياء، ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء في الرضا بمراجعة أزواجهنَّ ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك.

وقد عُرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها الأنفةُ من أصهارهم، عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم، وربما رأوا الطلاق استخفافًا بأولياء المرأة وقلة اكتراث بهم، فحملتهم الحميَّة على قصد الانتقام منهم عندما يرون منهم ندامة ورغبة في المراجعة.
 
﴿ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وفي هذا الشرط إيماء إلى علة النهي؛ أي: إذا رضي الزوج المطلق أن يردَّها إليه ورضيت هي بذلك، وفسر المعروف بأنه ما يحسن من الدين والمروءة في الشرائط، وقيل: مهر المثل، وقيل: المهر والإشهاد.
 
وبناءً على هذا لو أن المرأة رضيت بالزوج على وجه غير معروف - بل على وجه منكر لا يُقره الشرع - فإنها لا تمكن من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه، وانسلاخه من الدين فلوليها أن يمنعها.
 
وفي الآية إشارة إلى اعتبار الولاية للمرأة في النكاح بناءً على غالب الأحوال؛ لأن جانب المرأة جانب ضعيف، مطموع فيه، معصوم عن الامتهان، فلا يليق تركُها تتولَّى مثل هذا الأمر بنفسها؛ لأنه ينافي نفاستها وضعفها، فقد يستخف بحقوقها الرجال، حرصًا على منافعهم وهي تضعف عن المعارضة.
 
وجه الإشارة: أن الله أشار إلى حقين:
1- حق الولي، بالنهي عن العضل؛ إذ لو لم يكن الأمر بيده، لما نهى عن منعه؛ أي: لو كانت المرأة تملك العقد لنفسها ما كان للعضل تأثيرٌ.
 
2- وحق المرأة في الرضا ولأجله أسند الله النكاح إلى ضمير النساء، ولم يقل: (أن تنكحوهن أزواجهن)، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وجمهور فقهاء الإسلام.
 
ومن فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى، أو ما يستقبل مع أنه في الحال لا يتصف به، وذلك قوله تعالى: ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾؛ لأنه إذا كان المراد من طلقت، ثم أراد زوجها أن يعود إليها، فهم أزواجهن باعتبار ما مضى، وإن كان المراد الخطَّاب الذين يخطبونهنَّ بعد انقضاء العدة فهم أزواجهنَّ باعتبار المستقبل، وقد جاء التعبير عن الماضي، والمستقبل في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء:2]، مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا، فهذا تعبير عن الماضي، وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف:36] وهو لا يعصر الخمر، ولكن يعصر عنبًا يكون خمرًا، فهذا تعبير عن المستقبل.
 
ومن فوائد الآية أن «الرضا» شرط لصحة النكاح، سواء أكانت المرأة بكرًا، أم ثيبًا؛ وسواء أكان الولي أباها، أم غيره - على القول الراجح - وأنه ليس للأب، ولا لغيره أن يجبر المرأة على النكاح، لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تُنكح الأيمُ حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: أن تسكت).
 
وورد في صحيح مسلم: (البكر يستأذنها أبوها)، وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يزوج ابنته وهي كارهة، بل لا بد من رضاها، والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع شيئًا من مالها إلا برضاها، فكيف يملك أن يزوِّجها بدون رضاها؟!
 
فلو أن رجلًا أكره ابنته أن تشتري هذا البيت، فالعقد غير صحيح، مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارهة أن تبيعه بعد يوم أو يومين، فكيف يملِك أن يُكرهها على أن تتزوَّج برجلٍ لا تريده؟!
 
فالشريعة جاءت من لدن حكيم خبير، فالصواب بلا شك أنه لا يحل للإنسان أن يجبر ابنته على نكاح مَن لا تريد مهما كان، لكن إذا أرادت إنسانًا ليس مرضيًّا في دينه وخلقه، فللولي أن يأبى - ولو بقيت لا تتزوج طول عمرها - فليس عليه شيء لأنه مأمور بذلك، وما يترتب على المأمور فغير محظور، فإن قيل: يرد على ذلك تزويج أبي بكر عائشة من النبي صلى الله عليه وسلم ولها ست سنين؟ فالجواب: أن يقال: لن يرد مثل هذه الصورة؛ لأننا نعلم علم اليقين أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سترضى برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا تبغي به بديلًا، ولذلك لما أمره الله عزّ وجلّ أن يخير نساءه، فبدأ بها رضي الله عنها، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك)، قالت: يا رسول الله، أفي هذا أستأمر أبوي؟! إنني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها على تزويج المرأة بغير إذنها.
 
﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ ﴾: إشارة إلى حكم النهي عن العضل، و﴿ ذلك ﴾ للبعد، ناب عن اسم الإشارة (الذي) للقرب، وهو وإن كان الحكم قريبًا ذكره في الآية، وذلك يكون لعظمة المشير إلى الشيء، ومعنى: يوعَظ به؛ أي يُذكَّر به ويُخوَّف.
 
﴿ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾هو يوم القيامة، وُصف بذلك لأنه آخر مراحل الإنسان، وذكر الإيمان بالله؛ لأنه تعالى هو المكلف لعباده الناهي لهم والآمر، و﴿ اليوم الآخر ﴾؛ لأنه هو الذي يحصل به التخويف، وتُجنى فيه ثمرة مخالفة النهي، وخص المؤمنين؛ لأنه لا ينتفع بالوعظ إلا المؤمن؛ إذ نور الإيمان يرشده إلى القبول ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنعام:36]، وسلامة عقله تذهب عنه مداخلة الهوى ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ﴾ [الرعد:19].

﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾: التمكن من النكاح أزكى لمن هو بصددِ العضل لِما له في امتثال أمر الله من الثواب، وأطهر للزوجين لِما يُخشى عليهما من الريبة إذا مُنعا من النكاح، وذلك بسبب العلاقات التي بين النساء والرجال، وقيل: أزكى وأطهر أنه أوفرُ للعرض وأقرب للخير، فأزكى دالٌّ على النماء والوفر، وذلك أنهم كانوا يعضلونهنَّ حَميَّة وحفاظًا على المروءة من لحاق ما فيه شائبة الحطيطة، فأعلَمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض؛ لأن فيه سعيًا إلى استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب، فإذا كان العضل إباية للضَّيم، فالإذن لهن بالمراجعة حلمٌ وعفو ورفاءٌ للحال، وذلك أنفع من إباية الضيم.
 
ومن فوائد الآية أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ ﴾؛ فهو ينمي النفس، وينمي الإيمان، وينمي الأخلاق، وينمي الآداب؛ فكلما كان الإنسان أشد تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له.
 
وأما قوله: ﴿ وَأَطْهَرُ ﴾، فهو معنى أنزه، أي إنه أقطع لأسباب العداوات والإحن والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة، وماذا تضرُّ الخصومة في وقت قليل يعقبها رضا ما تضر الإحن الباقية، والعداوات المتأصلة، والقلوب المحرقة.
 
ومن فوائد الآية: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان، يعني أطهر للقلب؛ لأن الأعمال الصالحة تطهِّر القلب من أرجاس المعاصي، ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن من الحيوية، والنشاط، والسرور، والفرح ما ليس عند غيره، ويعرف ذلك في وجهه؛ فالإنسان صاحب المعاصي مظلمُ الوجه كاسف البال، ولو فرِح بما فرح من زهرة الدنيا فهو فرح خاسر، لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام، وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته، ليس كذلك، وأسعد الناس في الدنيا أطهرهم قلبًا.
 
﴿ وَاللّهُ يَعْلَمُ ﴾: ما فيه مصلحتكم، ونقاؤكم، وطهركم﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ كمال العلم: تذييل، وإزالة لاستغرابهم حين تلقى هذا الحُكم، لمخالفته لعاداتهم القديمة، وما اعتقدوا نفعًا وصلاحًا وإبقاءً على أعراضهم، فعلمهم الله أن ما أمرهم به ونهاهم عنه هو الحق، لأن الله يعلم النافع، وهم لا يعلمون إلا ظاهرا، فمفعول ﴿ يَعْلَمُ ﴾ محذوف أي: والله يعلم ما فيه كمال زكاتكم وطهارتكم؛ وأنتم لا تعلمون ذلك.
 
﴿ وَالْوَالِدَاتُ ﴾؛ أي المطلقات اللائي لهنَّ أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم، إلا بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهنَّ في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه مَن تمتنع إلا لسبب طلب التزوج بزوجٍ جديد بعد فراق والد الرضيع؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج فيها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.
 
﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ جملة خبرية بمعنى الأمر، وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض؛ كأنه حين يأتي بصيغة الخبر أمر مستقر يتحدث عنه.
 
وفيه أيضًا إثبات حق الاستحقاق، وليس بمعنى الأمر للوالدات والإيجاب عليهن؛ لأنه قد ذكر بعد أحكام المطلقات، ولأنه عقب بقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا ﴾، فإن الضمير شامل للآباء والأمهات على وجه التغليب، فلا دلالة في الآية على إيجاب إرضاع الولد على أمه، ولكن تدل على أن ذلك حق لها، وقد صرح بذلك في سورة الطلاق بقوله: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ [الطلاق:6]، ولأنه عقب بقوله: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وذلك أجر الرضاعة، والزوجة في العصمة ليس لها نفقة وكسوة لأجل الرضاعة، بل لأجل العصمة.
 
﴿ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾: صرَّح بالمفعول مع كونه معلومًا إيماءً إلى أحقية الوالدات بذلك، وإلى ترغيبهن فيه؛ لأن في قوله: ﴿ أَوْلادَهُنَّ ﴾ تذكيرًا لهن بداعي الحنان والشفقة، فعلى هذا التفسير، وهو الظاهر من الآية، والذي عليه جمهور السلف: الآية واردة إلا لبيان إرضاع المطلقات أولادهن، فإذا رامت المطلقة إرضاع ولدها، فهي أَولى به، سواء كانت بغير أجر، أم طلبت أجر مثلها، ولذلك كان المشهور عن مالك أن الأب إذا وجَد مَن تُرضع له غير الأم بدون أجرٍ، وبأقل من أجر المثل، لم يُجَب إلى ذلك.
 
﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾: الحول في كلام العرب: العام، وهو مشتق من تحوُّل دورة القمر أو الشمس في فلكه من مبدأ مصطلح عليه، إلى أن يرجع إلى السمت الذي ابتدأ منه، فتلك المدة التي ما بين المبدأ والمرجع تسمى حولًا، وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام.
 
ووصف الحولين بكاملين تأكيدًا لرفع توهُّم أن يكون المراد حولًا وبعض الثاني؛ لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين: ويريدون سنة وبعض الثانية.
 
﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾: هذا يدل على أن الإرضاع في الحولين ليس بحدٍّ لا يتعدى، وإنما ذلك لمن أراد الإتمام، أما من لا يريده فله فطمُ الولد دون بلوغ ذلك إذا لم يكن فيه ضررٌ للولد.

﴿ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾: لم يأت بلفظ الوالد، ولا بلفظ الأب، لِما في ذلك من إعلام الأب ما منح الله له وأعطاه، إذ اللام في: ﴿ له ﴾ معناها شبه التمليك والمنحة، كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ [النحل:72].
 
ولطيفة أخرى في قوله: ﴿ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾، وهو أنه لَما كلَّف بِمُؤن المرضعة لولده من الرزق والكسوة، ناسب أن يُسلى بأن ذلك الولد هو ولدٌ لك لا لأُمِّه، وأنك الذي تنتفع به في التناصر وتكثير العشيرة، وأن لك عليه الطواعية كما كان عليك لأجله كلفة الرزق والكسوة لمرضعته.
 
﴿ رِزْقُهُنَّ ﴾ النفقة، ﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ اللباس،﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ما جرى به العرف من نفقة وكسوة لمثلها، بحيث لا يكون إكثار ولا إقلال؛ لأنهم كانوا يجعلون للمراضع كسوة ونفقة، وكذلك غالب إجاراتهم؛ إذ لم يكن أكثر قبائل العرب أهل ذهب وفضة، بل كانوا يتعاملون بالأشياء، وكان الأُجراء لا يرغبون في الدرهم والدينار، وإنما يطلبون كفاية ضروراتهم، وهي الطعام والكسوة.
 
﴿ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ تعليل لقوله: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ و﴿ تُكَلَّفُ...
﴾، وهو اعتراض أول غير معطوف على سابقه وهو مبنى للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، وحذف للعلم به.
﴿ لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾: لا يضار مولودٌ له مطلقته بمنعها ما وجب لها من رزق وكسوة، وأخذ ولدها مع إيثارها إرضاعه، وغير ذلك من وجوه الضرر ﴿ وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ﴾، لا تضار والدةٌ زوجَها بأن تطالبه بما لا يقدر عليه من رزق وكسوة، وغير ذلك من وجوه الضرر، وهو موقع التعليل أيضًا، وهو اعتراض ثان يفيد أصولًا عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع.
 
﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾: إذا مات المولود له وجَب على وارثه ما وجب عليه من رزق الوالدات وكسوتهن بالمعروف، وتجنب الإضرار.
 
واتَّفق علماء الإسلام على أن ظاهر الآية غير مراد؛ إذ لا قائل بوجوب نفقة المرضع على وارث الأب، سواء كان إيجابها على الوارث في المال بأن يكون مُبْدَأَةً على المواريث للإجماع على أنه لا يُبدأ إلا بالتجهيز، ثم الدَّين، ثم الوصية، ولأن الرضيع له حظُّه في المال الموروث، وهو إذا صار ذا مال، لم تجب نفقتُه على غيره.
 
فالنفقة واجبة على قرابة الرضيع - وهم بالضرورة قرابة أبيه - إذا مات أبوه ولم يترك مالًا، فتجب نفقة الرضيع على الأقارب على حسب قربهم في الإرث.
 
وفي الآية: وجوب إرضاع الأم ولدها الرضعة الأولى «اللَّبان» إن كانت مطلقة، وسائر الرضاع إن كانت غير مطلقة.
 
ثم ذكر تعالى رخصتين في الإرضاع، فقال تعالى في الأولى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا ﴾؛ أي: فطام الصبي عن الرضاعة قبل تمام الحولين إذا ظهر استغناؤه عن اللبن، وليس كما توهم البعض أن الفصال هو الطلاق، ولأنه يكره التشاور والتراضي عند الطلاق، ﴿ عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾، فلا بد من تراضيهما، فلو رضي أحدهما وأبى الآخر لم يجبر، وأخر التشاور لأنه به يظهر صلاح الأمور والآراء وفسادها.
 
والمشورة مشتقة من الإشارة؛ لأن كل واحد من المتشاورين يشير بما يراه نافعًا، فلذلك يقول المستشير لمن يستشيره: بماذا تشير عليَّ؟ كأن أصله أنه يشير للأمر الذي فيه النفع، مشتق من الإشارة باليد؛ لأن الناصح المدبر كالذي يشير إلى الصواب ويعينه له من لم يهتد إليه.
 
﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾: مباح لهما، وأن حقَّ إرضاع الحولين مراعي فيه حق الأبوين وحق الرضيع، وأن ذلك يختلف باختلاف أمزجة الرضعاء.
 
والرخصة الثانية:﴿ وَإِنْ أَرَدتُّمْ ﴾: الخطاب للآباء والأمهات وفيه التفات؛ إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب، وتلوين في الضمير؛ لأن قبله ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا ﴾ بضمير التثنية، ﴿ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ ﴾: طلب الرضاع من مرضعة غير أمه، فالسين والتاء في ﴿ تسترضعوا ﴾ للطلب، ولهما ذلك إن طابت به نفس الأم، ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم ﴾ للمراضع، ﴿ مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾، والمعنى: جواز الاسترضاع للولد غير أمه إذا أرادوا ذلك واتفقوا عليه، وسلموا إلى المراضع أجورهنَّ بالمعروف، فيكون ما سلمتم هو الأجرة على الاسترضاع، وليس التسليم شرطًا في جواز الاسترضاع والصحة، بل ذلك على سبيل الندب؛ لأن في إيتائها الأجرة معجلًا هنيًّا؛ توطينًا لنفسها واستعطافًا منها على الولد، فتثابِر على إصلاح شأنه.
 
وفي هذه الآية دليلٌ على أن للآباء أن يستأجروا لأولادهم مراضعَ إذا اتفقوا مع الأمهات على ذلك، وهذه كانت سنة العرب قديمًا، ولا سيما أهل الشرف، وفي الحديث النبوي: (واسترضعت في بني سعد)، فكانوا يتخذون المراضع لأولادهم ويفرغون الأمهات للاستمتاع بهن، والاستصلاح لأبدانهنَّ، ولاستعجال الولد بحصول الحمل، فأقرَّهم الشرع على ذلك لما في ذلك من المصلحة ورفع المشقة عنهم بقطع ما ألفوه، وجعل الأجرة على الأب بقوله: ﴿ إِذَا سَلَّمْتُم ﴾.

قال في أضواء البيان: ولم يبيِّن هنا الوجه الموجب للاسترضاع، ولكنه بينه في سورة الطَّلاق بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ [الطلاق:6]، والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل ويرضى به.
 
ولو أن الأم طلبت أن ترضعه، وقال الأب: ترضعه غيرها أجبر الأب على موافقة الأم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ ﴾؛ فبدأ بـ ﴿ الوالدات ﴾؛ لأن الأم أشفق، ولبنها لطفلها أطيب؛ ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم، وولدها.
 
﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾: تذييلٌ للتخويف والحثِّ على مراقبة ما شرَع الله، من غير محاولة ولا مكايدة﴿ وَاعْلَمُواْ ﴾ تذكير لهم بذلك، وإلا فقد علِموه﴿ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لما تقدَّم أمر ونهي، خرج على تقدير أمر بتقوى الله تعالى، ولما كان كثيرٌ من أحكام هذه الآية متعلقًا بأمر الأطفال الذين لا قدرة لهم ولا منعة مما يفعله بهم، حذَّر وهدَّد بقوله: ﴿ وَاعْلَمُواْ ﴾، وأتى بالصفة ﴿ بَصِيرٌ ﴾ مبالغةً في الإحاطة بما يفعلونه معهم والاطلاع عليه.
 
والعلم بأن الله بما نعمل بصير من تقوى الله عزّ وجلّ، لكن لما كان من تمام التقوى أن تعلم أن الله بما تعمل بصير نص عليه؛ لأنك متى علمت ذلك خفت من هذا الذي هو بصير بعملك أن يجدَك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك؛ لأنه بصير بذلك.

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢