قد تستطيع القوى الإصلاحية التواجد أكبر فترة ممكنة، وقد تؤثر في بعض الأمور الجزئية هنا أو هناك، ولكنها حتما لن تنجح في تحقيق ما تريد من الوصول إلى تغيير شامل في النظم القائمة مهما طال الوقت ومهما توافر لها من إمكانيات طالما لم تتوافر لديها الرغبة في التضحية لإحداث التغيير الشامل.
وكما أن الأدلة على نجاح الثوريين كثيرة متعددة، فإن الأدلة على فشل الإصلاحيين في إحداث التغيير الشامل كثيرة متعددة أيضا.
ففي التاريخ المنظور والمشاهد لما يناهز قرن من الزمان هناك كثير من الحركات الإصلاحية نجحت في أن تكون موجودة أو تُثَبّت وجودها أكبر فترة ممكنة، ولكنها فشلت في تحقيق مكاسب حاسمة على طريق التغيير الشامل.
وهنا أيضا سنرصد بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر.
فجورباتشوف من قمة السلطة حاول أن يقوم بعمل إصلاحي يصل من خلاله إلى تغيير للأيديولوجية الشيوعية بدون أن يحدث خلخلة كبيرة في المجتمع السوفيتي إلا أنه فشل في النهاية وتمرد عليه الجيش في انقلاب شهير، وأسقطه وأسقط الاتحاد السوفيتي معه، فلم ينجح جورباتشوف بمن معه من الإصلاحيين في إحداث التغيير المنشود، ولم ينجح في المحافظة على الإمبراطورية السوفيتية، ولم ينجح في إخراج أنموذج إصلاحي يكون قدوة وأسوة على الرغم مما توافر له من إمكانيات منظورة بل ووجوده في قمة السلطة.
وفي تركيا تبنى القطاع الأكبر من الحركة الإسلامية المنهج الإصلاحي غير التصادمي مع السلطات العلمانية القائمة، حاول فيها التيار الإسلامي أن يبدوا عقلانيا متعقلا صابرا على كثير من التجاوزات والممارسات العلمانية، ونجح أكثر من مرة في أن يشارك في الحكم ولكن طبقا للمعايير والقوانين العلمانية السائدة! إلا أنه لم ينجح في تحقيق شيء يذكر لصالح قضيته الإسلامية التي يتبناها! إضافة إلى حجم الخسائر الهائل الذي يلحق بالحركة نتيجة للتنازلات التي تقدمها مقابل احتفاظها بهامش محدود - قياسا بحجم التغيير المنشود - يتمثل في استمرار الحزب فترة محدودة