الصفحة 5 من 45

الذي ينبغي تسجيله والتنويه به، إنما يتراءى في أسلوب معالجته لتلك الأقسام البلاغية"فهو مستقل في تفكيره ورأيه ينزع إلى التنظير، ومحاولة ضبط الصور البلاغية التي لها ضبطا منهجيا إلى حد كبير، وذلك بتعريفها، ثم بيان ما يراه من أقسام لها، وتوضيح ذلك بالشواهد البلاغية" (4) .

نبدأ بباب الإيجاز، وهو أول وجه بلاغي تحدث عنه الرماني من وجوه الإعجاز البلاغي فعرفه قائلا"الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى" (5) ، وهو تعريف يلتزم فيه الرماني بآرائه في ثنائية اللفظ والمعنى، وفي تصوره لمفهوم البلاغة، فلا يكون الكلام بليغا إلا بتحققهما معا، وتلازمهما تلازما تاما. وكذلك لا يكون في الكلام إيجاز حتى تأتي الألفاظ على قدر المعاني لا تزيد عنها ولا تنقص، فإذا كان الكلام يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة، كما يمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة، فإن الإيجاز هو البيان عن المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ (6) . وليس تقليل الألفاظ على المعاني إيجازا بلاغيا في كل حال، وإنما الشرط أن يتم ذلك من غير إخلال بالمعنى، وإلا كان الكلام تقصيرا. فالإيجاز بلاغة، لأنه لا يظهر فيه إخلال بالمعنى المدلول، بخلاف التقصير فإنه لابد فيه من الإخلال (7) . ولذلك كان الإيجاز أرفع مكانة على غيره من الكلام. ولاشك أن الرماني قد تأثر بسلفه - الجاحظ- في تعريفه لهذا الباب وتأكيده على البعد النفسي والبلاغي للإيجاز، حين عرفه قائلا"وأحسن الكلام، ما كان قليله، يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه" (8) ، ثم فال في الموضع نفسه"فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، صحيح الطبع عن الاستكراه، ومنزها عن الاختلال، ومنزها عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة" (9) . من خلال هذين التعريفين، يتضح أن الإيجاز عند الجاحظ هو إصابة معنى، وإدراك غرض بألفاظ عربية سهلة عذبة، خالية من التكلف والتطويل والاختلال، وقد لمسنا هذا المعنى أيضا عند الرماني من خلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت