ما سعى الرماني إلى تحقيقه حين ربط جانبا من قضية الإعجاز، ببلاغة النص القرآني، وطريقته الفذة في تقديم المعنى، وقدرته على التأثير في متلقيه. فلم يكن هم الرماني من التماس إعجاز القرآن من تلك الأقسام البلاغية، الوقوف على ما اشتملت عليه البلاغة القرآنية من محسنات بلاغية وبديعية، منفصلة عن سياقها، وعرضها كزينة لفظية، وكحلية حسية مطلوبة. وإنما كانت عنايته موجهة لاستخراج هذه الفنون، وبيان سر أصالتها في الأسلوب القرآني، والوقوف على أسباب تأثيرها في النفس تأثيرا لا يتهيأ لبشر، وهو ما عبر عنه الرماني عند تعريفه للبلاغة بأنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من السمع، فقضية الإعجاز، غير منوطة بألوان البديع وفنون البلاغة، وإنما هي متأتية من طبيعة النص القرآني، بما تحقق له من حسن البيان، وجودة اللفظ وتلاؤمه، واستواء تقاسيمه مع المعاني في النفس.
وحديث الرماني عن ثنائية اللفظ والمعنى متردد في أقسام البلاغة العشرة، فهو من أنصار الصياغة اللفظية حسب ائتلاف المعاني مع الألفاظ، فلكل واحد منهما وظيفة يؤديها، لكن ليس منفردا، بل باعتبار ارتباطه بالآخر، فلا وجود للفظ إلا بالمعنى، ولا وجود للمعنى إلا باللفظ. وقد التزم الرماني بهذا الرأي، ودلل عليه كلما سنحت له فرصة، أثناء شرحه وتحليله لأبواب البلاغة العشرة الدالة على إعجاز القرآن. والرماني إذ يعتقد أن الإعجاز يكمن في خصائص ونكت امتاز بها أسلوب القرآن الكريم عن غيره من كلام البشر، جعل هذا الأسلوب مناط بحث وتحليل، ليقف على جماله ودقة استخدامه للفنون البلاغية ومقارنتها بأساليب بلاغية ماثلة في كلام العرب، الذين لم يكن أحد أفصح ولا أتم بلاغة منهم، ليتسنى له بيان تفوق البلاغة القرآنية، وتميزها عن بلاغة البشر. ولا يخفى على الدارس في مجال الدراسات اللغوية والبلاغية، أن هذه الأقسام البلاغية، كانت معروفة بأسمائها بين النقاد والبلاغيين وغيرهم من أهل اللغة والأدب، والجديد