البلاغة"إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ" (1) ، وهو تعريف دقيق، يكشف من جهة، الأثر النفسي للبلاغة وقدرتها على إيصال المعنى إلى قلب السامع، وتمكينه في الذهن، ويكشف من جهة ثانية عن الوظيفة الفنية والبيانية للبلاغة، وقدرتها على إبراز المعنى في رداء جميل، وعرضه في صورة بديعة (في أحسن صورة من اللفظ) . إن هذا التعريف للبلاغة، يذكرنا من غير شك، بتعريف الجاحظ للكلام البليغ حيث يقول:"لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة، حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه. فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق، من معناه إلى قلبك" (2) . الذي نفهمه من تعريف الجاحظ، أن من أراد البلاغة، فعليه أن يعبر عن المعاني بألفاظ تماثلها في الحسن، وتساويها في القدر والجودة. وقد أشار في اعتراضه على مذهب أبي عمرو الشيباني إلى مقومات الكلام البليغ، فأشار إلى أن الكلام، يحسن بسلامته وسهولته وتخير لفظه وأصالة معناه فقال:"والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك" (3) . وهي كلها مقومات، تؤكد مذهب الجاحظ، في إيثار اللفظ والصياغة وإعطاء الاعتبار لهما.
وقد اقتفى الرماني أثر الجاحظ في عنايته بهذه الثنائية، وفي اهتمامه بجمال الصياغة اللفظية، والانسجام الصوتي، وفنون البديع، لكن ذلك لا يعني اطراح المعاني وإهمالها، أو الفصل بين اللفظ ومعناه، فهما مترابطان أشد الترابط، وممتزجان في كل تعبير، أقوى ما يكون الامتزاج، فالرماني كان مدركا وعلى نحو جيد لمفهوم الجاحظ للبلاغة، ولمقولته المشهورة، المعاني مطروحة في الطريق، وإن كان ينتصر للفظ وللصياغة، إلا أنه لا يغض من شأن المعاني، أو يساوي بين ما هو جيد منها، وما هو سوقي مبتذل. إن ما يقصده الجاحظ، أن الشعر والأدب عموما، إنما تنبع قيمته من صياغته الفنية القادرة على تقديم مضمونها في شكل مؤثر جميل، وهذا