لكن الذي حدث أن الحسن العسكري مات شابا صغيرا عن غير عقب، وقسمت تركته على ذلك، وعليه اتفق علماء النسب، فاختار الإمامية في أمرهم، إذ هم بين أمرين، إما نسف نظريتهم في الإمامية كلها، وهي التي عقدوا عليها الولاء والبراء فكفروا الصحابة وضللوا الأمة وعادوها واتهموها بالخيانة والنصب، وسبوا سائر علماء الأمة لذلك.
و إما أن يخترعوا مولودًا وينسجوا له الأساطير بروايات متضاربة موضوعة لا خطام لها ولا زمام، ركيكة المتن والإسناد. وأمثلهم طريقة من يقول: ذلك واجب عقلي، لا بالنص!!
و بذلك زعموا أن الحسن العسكري ولد له غلام سماه محمدًا، وأنه أخفاه من الأعين مخافة أن يقتله الأعداء، فلما بلغ خمس سنوات، اختفى في سرداب بسامراء وهو ينتظرون موعد خروجه، فهو المهدي المنتظر عندهم. فأضحكوا عليهم سائر العقلاء!!
و قد كان من نتيجة هذا أنه فعلًا توقف عندهم الدين إذ لا جمعة ولا جهاد ولا دولة عندهم إلاَّ بإمام، ولكن الإمام غاب، فهم في انتظار منذ مئات السنين!!
و أنت ترى ماذا رتبوا على هذه النظرية الفاسدة من لوازم من تكفير الصحابة، إلاَّ ثلة ممن كان مع الإمام علي كرم الله وجهه، ومن الطعن في أمي المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهما، جراءة ووقاحة، وقلة أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
و من تضليل وسب الخارجين من آل البيت من لدن زيد بن علي فمن بعده. وافتروا على جعفر الصادق أنه قال: كل راية قبل راية الإمام فهي ضلالة وصاحبها طاغوت!!
ثم أضفوا على الأئمة أوصاف الآلهة، فمن العصمة إلى علم الغيب، بل فضلوهم على الأنبياء والمرسلين، ثم غلوا في البناء على القبور وتعمير المشاهد والحج إليها، وإقامة سائر معالم الشرك عندها من دعاء وطواف ونذر واستغاثة وسجود وغير ذلك، حتى صنف لهم ابن النعمان كتابًا سماه"مناسك حج المشاهد"!!
و زادوا الطين بلة أنهم منذ القرن الرابع زوجوا بين التشييع والاعتزال.
و لما كانت النقول في القرآن والسنة وآثار آل البيت الذين يزعمون أنهم شيعتهم وأنصار منهجهم لا توافق على ما ذهبوا إليه، بل تخالفه مخالفة تامة، كما ذكرت لك في مباحث الزيدية، وأن كبار أئمة البيت كانوا كباقي السلف وأهل الحديث في سائر أبواب الاعتقاد، وأستطيع أن أجزم هذا إلى الإمام علي بن موسى الرضا، أما من بعده فلا أدري، وقد دخل الكثير منهم الانحراف كما بينت لك آنفًا.