و من الأدلة على ذلك أن الإمام مالكًا، رحمه الله، ما كان يستطيع إنشاء رواياته ع جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، إلا في عهد العباسيين، وكان موظفو الأمويين لا يأخذون أرزاقهم حتى يشهدون بالطلاق والعتاق على البراءة من الإمام علي، كرم الله وجهه، كما ذكر الإمام الأوزاعي رحمه الله عن نفسه، بل منع الناس من التسمية بعلي، وجلد جماعة وحلقوا لرفضهم سب الإمام علي، رضي الله عنه، كما حدث لعطية العوفي وغيره من السلف، واختفى جماعة من آل البيت، عليهم السلام فانحصر علمهم في فئة قليلة من شيعتهم.
و لم يكن العهد العباسي أفضل من العهد الأموي، فقد كان ما فعلوه في الآل الكرام رهيبًا، كما في «مقتل الطالبين» و «المحن» لأبي العرب، وغير ذلك.
فهذا كما ترى حال شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير حتى أصبحت هي الحق عند الناس. وقد أضحى كثير من الناس إذا سمعوا من يذكر محاسن آل البيت، اتهموه بالتشيع وأساءوا به الظن، وظهرت الحكات على وجوههم كما قال ابن قتيبة عن أهل زمانه في رسالته في «مسألة اللفظ» ، وانظر ما حدث للإمام النسائي حتى ذهب شهيدًا، وما حدث للحافظ ابن السقاء لما أشاع فضائل علي، طردوه من المسجد وغسلوا مكان جلوسه!!
و إني ليشتد عجبي من هذا، ولا تنقطع حيرتي، فهل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا كتاب الله وعثرتي آل بيتي» أم قال «كتاب الله وبني أمية» ؟!!
و هل قال أبو بكر رضي الله عنه: «ارقبوا محمدًا في آل بيته» أم قال «في بني أمية» ؟!!
و لاشك أن دين الله سبحانه وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، وقد جعل الله لكل شئ قدرًا.