فَصْلٌٌ
و قد قابل هؤلاء المنحرفين عن أهل الشام آخرون من أهل السنة والحديث والمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم فبالغوا في الانتصار للشاميين فجعلوا كلا الطائفتين من أصحاب الإمام علي، رضي الله عنه ومن أصحاب معاوية رضي الله عنه مجتهدين ما قصدوا إلا الحق، وفي تأويل النصوص في بغي أهل الشام وما يتعلق بذلك.
ثم إنهم رغبة منهم في الدفاع عن الصحابة كمعاوية وعمرو ومن معهما بالغوا في تأويل أخطائهم وإخراج المخارج لها وتصويبها، حتى آل بهم الأمر إلى نوع تنقيص للإمام علي، كرم الله وجهه، ثم تطور الأمر في الدفاع عن أعمال معاوية، رضي الله عن أعمال معاوية، رضي الله عنه، أن دافعوا عن ابنه يزيد، حتى لا يقال إنه استخلف على المسلمين فاسقًا، فآل بهم الأمر إلى الاستنقاص من ريحانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الحسين بن علي، عليه السلام، فصوروه طالب ملك خارجًا على إمام عدل، حتى قال قائلهم إنه ما قتل إلا بسيف جده!! وهذا من بدايات النصب، والعياذ بالله تعالى، وليس هذا من نصرة السنة ولا محبة الصحابة في شئ، لأن سادة الصحابة هم الخلفاء الراشدون والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وأهل بدر والمشاهد، وهذا كله مجموع في علي، كرم الله وجهه، وأكثر، فلا مقارنة بينه وبين طلقاء الفتح بنص القرآن «لا يستوي منكم من أنفق من قبل وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى» .
و قد سأل عبد الله بن أحمد بن حنبل [1] أباه إمام السنة، نضر الله وجهه، عن هذا فقال: «يل بني إن عليًّا كان كثير الأعداء ففتشوا له عن رجل حاربه فجعلوا يطرونه» ، أو كلامًا يشبه هذا.
ثم استقر الأمر بالقوم أن نصبوا أنفسهم للذب عن بني إمية، والاستنقاص من كل قائم من العثرة الطاهرة والبضعة النبوية الزكية، نصرة للحق، وذبًّا عن السنة، وصوروهم طلاب مُلك، وأصحاب دنيا. فالله المستعان. ولاشك أن للوضع السياسي دورًا كيرًا في هذا، فقد كانت دولة بني أمية شديدة النصب، وابتدعت سب الإمام علي وآل البيت على المنابر، ونكلت بشيعة أهل البيت ومحبيهم.
(1) روى السلفي في"الطيوريات"عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن علي ومعاوية، فقال: لعلم أن عليا لم يكن كثير الأعداء، ففتش له أعداؤه عيبًا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدًا منهم له.