و إنما أضلل وأبغض كل من سب أحد الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين بالجنة أو أهل بيعة الرضوان أو أهل بدر. أحب المهاجرين والأنصار وأعرف للجميع فضلهم ومكانتهم، وأقرر ما قرره أئمة السنة في كتبهم ومصنفاتهم، ولا أستجيز لنفسي الكلام في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأترضى عن الجميع، ولا أتكلم فيما شجر بينهم أمام العامة والدهماء، وأقول إن أفضل هذه الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبو بكر ثم عمر، وأنا متوقف في التفضيل بين عثمان وعلي، لتعارض الأدلة في ذلك عندي، رضي الله عن الجميع.
و أقول إن الصحابي هو كل من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمن به، ولو ساعة، ثم مات على ذلك ولو تخللته ردة. وهذا اختيار عامة أهل الحديث، وإن كان عليه بعض الملاحظات، لكن القول به أسلم، وأقرب للأدب مع الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: فمالك لم تضلل من ضلله جمهور أهل السنة والحديث واستقر عليه مذهبهم، ممن طعن في أهل الشام أو فضل عليًّا على أبي بكر وما إلى ذلك؟
قلت: لأن القائل بذلك جماعة من الصحابة والتابعين وأئمة أهل الحديث والسنة وآل البيت الكرام، ولا يمكن تضليل مثل هؤلاء.
فإن قيل: فقد قال جماعة من التابعين وأهل الحديث بالإرجاء والقدر وغلو التشيع والنصب، فقد غلب على كثير من الكوفيين غلو التشيع والطعن في عثمان رضي الله عنه، مع الإرجاء، وغلب على أهل البصرة والشام النصب والقدر، إلى غير ذلك من البدع، فهلاَّ عددت ذلك كله مذهبًا وعذرتهم وما ضللتهم؟
قلت: كلا، فما قال صحابي بالقدر ولا بالإرجاء، فهما بدعة ظاهرة. أمَّا الكلام في الإمام علي كرم الله وجهه أو في عثمان رضي الله عنه، فقد طعن فيها بعض الصحابة، فذلك عندي مما يطوى ولا يروى، وهو مما شجر بينهم، وهم جميعًا طبقة واحدة فلا تدخل بينهم. ثم إن الطاعن لا دليل معه ولا شبهة دليل، إنما هو الغضب عند النزاع. والنصوص صريحة في أن الرجلين من أهل الجنة، بل من السابقين الأولين من المهاجرين، فإذا عذرنا الصحابي في الكلام فيها، فكيف نعذر من بعده، فإن الصحابي حضرتنا معه هيبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما من بعدهم فلا.
فإن قبل: فهؤلاء الذين عذرتهم في التشيع الذي هو الطعن في أهل الشام ما كان لهم أن يدخلوا بين الصحابة كما ذكرت؟ وكلامك يشملهم كذلك.