و في اليمن عالم شامي استقر بصنعاء اسمه محمد صبحي الحلاق، استفرغ علمه في نشر وتحقيق كتب الزيدية من أهل السنة وإخراجها في أبهى حُلَّة، وقد أخرج كتب الشوكاني والأمير الصنعاني، وطبع متن"الأزهار"مع ذكر الدليل على كل مسألة من مسائله. فهذا جهد حسن مشكور.
قال أبو محمد: أصل مذهب الزيدية هو مذهب آل البيت، عليهم السلام، الذين رفضوا ترك الشورى في الحكم، وترك العدل والعمل بالكتاب والسنة ورأوا الخروج على ولاة الجور، إمامهم في ذلك هو الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ثم جدده حفيده زيد بن علي بن الحسين، ومن تبعه من آل البيت حَسَنِيِين كانوا أم حُسَيْنِيِين، وتبعهم شيعة لهم- نصروهم وأيدوهم في ذلك، كجماعة من أهل العراق وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة وجماعة من أهل المدينة، ويقال إن مالكًا امتحن بسبب ذلك، وكذلك امتحن الشافعي لنفس العلة حتى كاد يقتل، في جماعة من أهل السنة والحديث والأثر.
و مع تتابع الثورات استطاعوا أن يؤسسوا دولًا في الأطراف أقاموا فيها العدل، وذكروا بسيرة الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، وذلك كما فعل إدريس بن عبد الله في المغرب الأقصى سنة 172 هـ وما فعله الهادي إلى الحق باليمن أواخر القرن الثالث وما فعله الحسين بن زيد بطبرستان، وكذلك الناصر الأطروش في القرنين الرابع والخامس.
و قد كان المتقدمون من الآل الكرام على محض السنة، يدل على ذلك ما نقله عنهم الحافظ هبة الله اللاَّلكائي في"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، فقد جعلهم في الطبقة الأولى من أهل السنة الأيمة المقتدى بهم في دين الله تعالى، ونقل أبوابهم في أبواب الصفات والقضاء والقدر والإيمان وفضائل الصحابة والنهي عن سبِّهم، مع الترضي عنهم، إلى غير ذلك من أبواب الاعتقاد، ونقل ذلك غير من أهل الحديث الذين ينقلون مذاهب السلف بالأسانيد.
كما أن في كتب الشيعة زيدية كانوا أم إمامية جملة وافرة من ذلك كما في"مسند الإمام زيد"و"التوحيد"لابن بابويه القمي وغير ذلك، وفيها نقولهم في الحض على العمل بالسنة وترك الرأي والمقاييس وذم أصحاب ذلك، وفيها النهي عن الغلو في الصالحين والبناء على قبورهم وغير ذلك مما في ذلك حماية التوحيد.