و الشيعة كان جماعة منهم رافضة، وفيهم آخرون زيدية، فيهم غلاة جارودية وآخرون بخلاف ذلك، والجميع معتزلة في عقائدهم.
و الناظر بإنصاف يجد التالي: الذين ردوا بقوة على البدع في هذا الوقت، وصنفوا أكبر الكتب في التفسير وشرح السنة والحديث، وجاهدوا الأعداء في الثغور شرقًا أو مغربًا، وبهم بقي الإسلام واستمر التوحيد، هم في الغالب من غير أهل السنة المحضة، لأن هؤلاء قد أصبحوا قلة بالنسبة لغيرهم، وهذه دولة السَّلاجقة كانت شافعية أشعرية، كما أن عامة علماء المغرب كانوا مالكية أشاعرة خاصة بعد دولة بني عبد المومن (الموحدين) .
و هؤلاء الشيعة الزيدية في اليمن كانوا من أشد الناس ردًّا على الباطنية [1] ، وكذلك جماعة من المعتزلة لهم ردود قوية على جماعة من الملحدين. مع ما حافظوا عليه من علوم آل البيت، عليهم السلام [2] ، في سائر أبواب العلم مما لم يحافظ عليه غيرهم، وهم العثرة الطاهرة. ثم إن التصوف في هذا الوقت كان من عوامل تربية عامة المسلمين وتزكية نفوسهم وتحريضهم على محبة الله ورسوله والزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله تعالى.
أقول: وكل ذلك من مقاصد الإسلام، وكان هو منهج السَّلف، ثم أخذ كل بنصيبه منه، ولم تحز طائفة الحق كله حالاًّ وقالًا.
نعم، أهل السنة المحضة في غالب أمرهم لا ينكرون ما مع غيرهم من الحق، فهم قائلون به، لكن القائم به غيرهم فهذا الخير الذي فيه دخن.
و المرء يمدح بما يقوم به من نصرة دين الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فرُبَّ رجل له من نصرة الإسلام، أو نصرة السنة في أبواب [3] ما لا يقوم به غيره، من الغيرة على الدين والذب عن حياض المسلمين، وهو واقع في العديد من البدع، ما ليس لرجل سنِّي المعتقد، باردِ الغيرة قاعد عن نصرة الحق وأهله.
و بهذا مدح من مدح من العلماء والأمراء والعُبَّاد عبر التاريخ، وكان لهم قدم صدق عند المسلمين، مع ما واقعوه من البدع. فإن الله سبحانه ما أرسل الرسل وأنزل
(1) انظر كتاب"قواعد عقائد آل محمد - صلى الله عليه وسلم -"للديلمي اليمني.
(2) كذلك الإمامية حافظوا على كثير من علوم آل البيت، لكنهم كثر فيهم الكذب والبهتان حتى فقد الناس الثقة بنقولهم، وهم من أعظم طوائف المسلمين كذبًا وزورًا!!
(3) كما فعل ابن حزم الظاهري، وجماعة من الأشاعرة، واقرأ قصة الدارقطني مع أبي بكر الباقلاني، ففيها بيان لما أردت توضيحه.