لوائهم في الغالب تلاميذ الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، حتى أصبحت عقيدة أهل السنة تسمى"العقيدة الحنبلية"مقابل"الأشعرية".
و لا شك أنَّ جد واجتهاد الأشاعرة جعل الجيل الجديد يتأثر بهم ويرى أنهم بقواعدهم وكتبهم وما أصلوه هم المنافحون عن منهج أهل السنة، فمن أراد النجاة فليقل بمقالتهم، وهذا مع ما ظهر فيهم من فقهاء كبار وعباد وزهاد، ومع البلاء الكبير الذي أبلوه في نصرة دين الله وتبيين شريعته. وهذا معنى حديث حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه: فهل بعد هذا الشر من خير؟ فقال له رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، «نعم، وفيه دخن» فقال: وما دخنه؟ قال: «قوم يهتدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي، نعرف منهم وننكر» .
على أن الأشاعرة لمَّا ازداد انحرافهم، فقد قابلهم أيضًا الحنابلة بانحراف آخر من الجهة الأخرى، فغلوا في أمور واشتطوا وتشددوا في أمور كان يمكنهم أن يسهلوا فيها، وقابلوا بدعًا ببدع أخرى [1] .
نعم، والله سبحانه وتعالى لا يزال يغرس لدينه أنصارًا على السنة البيضاء يذبون عنها وينصرونها، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» رواه أحمد والشيخان، ففي كل زمان كان من هذه الطائفة أناس، من فضل الله تعالى ورحمته بالأمة، وليس معنى هذا الحديث أن هذه الطائفة معها كل الحق، لكن معناه أنها من أسعد الناس بمنهاج السلف، أي من أقربهم له في الجملة والغالب، وقد يكون بعض الحق عند غيرها ممن يحفظه الله بذلك.
و لأضرب على ذلك مثالًا.
في القرن السَّادس (500 هـ- 600 هـ) ، وهو الذي علق عليه الحافظ الذهبي، رحمه الله تعالى، في الكلام آنف الذكر الذي نكتب هذه الخاطرة على ضوئه، تفرقت السبل بالمسلمين، فكانت عقيدة السلف بكامل أبوابها، دونما بدعة ولا انحراف، عند جماعة من الحنابلة، وبعض الشافعية، وقلة قليلة من المالكية والظاهرية، وبالمقابل كان جماهير الشافعية والمالكية من محدثين وفقهاء أشاعرة. كما أن عامة الأحناف كانوا إمَّا ماتريدية أو أشاعرة، وفيهم جماعة وافرة من المعتزلة والكرَّامية، وفي الجميع عدد من المتصوفة.
(1) انظر ما حدث بين ابن منده وأبي نعيم، وبين أبي نصر السجزي وأبي ذر الهروي.