الصفحة 60 من 168

فلما كان زمن الخليفة المأمون العباسي، وفتن المسلمين بالاعتزال، فصبر من صبر وافتتن من افتتن، ثم كان مقدم أئمة المسلمين أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، ونصره الله بثباته وصموده، حدث ما لم يكن في الحسبان.

و ذلك أن أهل السنة بدل أن يستغلوا هذا النصر ويكملوا مسيرتهم ومعركتهم ضد المبتدعة المخالفين لمحض السنة، انشغلوا ببعضهم البعض في معركة (لفظي بالقرآن مخلوق) و (الوقف في القرآن) فبدع بعضهم بعضًا وضلل بعضهم بعضًا، بل لعلهم وصلوا إلى التكفير، وقد كان يمكن الرد على بعضهم البعض باللين لا كردهم على المبتدعة الحقيقيين من معتزلة وجهمية ورافضة وخوارج، الذين كثروا في ذلك الوقت، وإن لم يكونوا هم السواد الأعظم، ولا إليهم المرجع من العامة.

و في هذا الوقت، أعني حولي سنة 240 وما بعدها، بدأ يظهر أناس من أهل السنة أرادوا الرد على المبتدعة بأصول كلامية، مع عدم تمكنهم في السُّنة، وذلك كعبد الله بن سعيد بن كُلاَّب، وتبعه الحارث المحاسِبي، فوقعوا في بدع حقيقية. ودخلهم التهجم وهم لا يشعرون حتى ظهر أبو الحسن الأشعري وتاب من الاعتزال وانتحل السنة وانتمى في ذلك إلى أحمد بن حنبل، لكنه كان عظيم الخبرة بعلم الكلام ومناهج أصحابه، قليل الخبرة بالسنة والأثر. فلما تكلم في الجمل الكبيرة أصاب الحق، لكنه أتي من ضعف خبرته بالسنة فأصَّل بعض الأصول المنحرفة، دون أن يشعر، وفرح به أهل السنة لعظيم نصرته لهم وشدة حربه على أعدائهم من المعتزلة وغيرهم، خاصة لمَّا أظهر"الإبانة عن مسائل الديانة"و"رسالته لأهل الثغر"و"---الإسلاميين"فإنها عظيمة النصر لأصول أهل الحديث والأثر، وإمامهم أحمد بن حنبل، نضر الله وجهه في جنات النعيم.

و كلما طال الزمن بدأ أصحاب السنة المحضة ينسحبون من الواجهة، ويبتعدون عن قيادة المسلمين، وفي المقابل اجتهد المبتدعة في نشر باطلهم، بل تأسست دول على أفكارهم فما دخل القرن الرابع إلاَّ وقد سيطرة غلاة الشيعة على ---ليد بلاد المسلمين في شرق الأرض وغربها، وساندهم المعتزلة فكانوا لهم وزراء وقضاة، وناظروا على باطلهم، فانتصب لهم أصحاب أبي الحسن الأشعري، الذين زاد انحرافهم وبعدهم، مع مرور الزمان، عن محض السنة، فزادت الشقة بينهم وبين الذين حمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت