و قد بين لنا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، العاصم من الفتن ومقياس الهدى، ولم يزكنا هملًا، فقال عليه الصلاة والسلام: « ... و ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة» وفي بعض الروايات: قيل من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» ، ولهذه الزيادة شواهد، وبها قواها بعض أهل العلم، وقال - صلى الله عليه وسلم -، «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ، وقد القرن الثالث في سنة 227 تقريبًا كما قال الحافظ بن حجر، رحمه الله تعالى.
و قال، أيضًا، صلوات ربي وسلامه عليه: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله، وعثرتي آل بيتي» .
فقد دلت هذه الأحاديث على أن نهج جمهور أهل القرون الثلاثة: الصحابة والتابعين وأتباع التابعين هو الحق الناصع، فما أجمعوا عليه، أو قال به جمهورهم من مسائل الاعتقاد أو السلوك أو ما شابه ذلك فهو السنة البيضاء النقية، ثم إن ذلك أيضًا أوضح وأبين في سيرة الهادي، صلوات ربي وسلامه عليه، وسيرة جماهير الصحابة الكرام، رضي الله عنهم قبل حدوث الفتن والتفرق في الأمة.
و الحديث الثالث بين أن العاصم من الضلال هو التمسك بالقرآن الكريم، وبمنهاج آل البيت الكرام، عليهم السلام.
فإذا قلنا إن التمسك بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، بفهم الصحابة والعثرة الطاهرة، ثم التابعين للفريقين. ثم أتباع التابعين، أي في جمهورهم، دون ما شذ به بعضهم وخالفه الجمهور أو بدَّعوه فيه كالقدر والإرجاء والخارجية وغلو التشييع والنصب، أقول إذا قلنا إن ذلك هو منهج السلامة والنجاة سنكون موافقين للصَّواب، وبهذا نزن كل من سيأتي بعد ذلك من الفرق أو الجماعات.
إذا تبين هذا، علمنا أن هذا المنهج هو الذي سماه علماؤنا بمنهج أهل السنة والجماعة، وكان عليه أهل الحديث والأثر، وهو منهج واضح المعالم نظريًا وعمليًا في سائر أبوبه، وقد جمع المحاسن من أطرافها، وكان أصحابه هم السواد الأعظم في القرون الثلاثة المفضلة وكلمتهم مسموعة. والملوك تهابهم، وهم الذين أسسوا علوم الإسلام، ومهدوا معالم الإيمان.