الصفحة 54 من 168

فإن من تأمل ما فيه، مع ما كان عليه السلف وجد بونًا شاسعًا وأيضًا من قرأ ما كتبه المواق في"سنن المهتدين"عن حقوق العالم المسلم [1] .

و عليه فلا مناص من تقنين نظام الحكم وإخضاعه لمؤسسات لا يمكن العبث بها.

و هذا الذي حدث في الدول الأوروبية والأمريكية، فإن القوم بعد أن أنهكتهم الحروب، وضاقوا ذرعًا باستبداد الحكام توصلوا إلى النظام الديمقراطي بجميع آلياته المعروفة اليوم، فكان هذا النظام أرقى ما وصل إليه الفكر البشري، وإنما قلت الفكر البشري، وإنما قلت الفكر البشري تقييدًا لذلك أن يقارن بالمنهج الرباني، وهذا معنى ما ذكره العبرة من تحفظاتنا على النظام الديمقراطي العلماني.

أقول: استطاع الغربيون بهذا أن يصلوا إلى تقنين الحكم وإخضاعه للمؤسسات وتغييب سلطة الفرد. فما عاد بوسع الحاكم أن يتسلط على شعبه، وإذا فعل فبإمكان البرلمان خلعه بواسطة استفتاء شعبي سهل، أو يمكن الصبر عليه حتى إذا انتهت مدة رياسته انخلع تلقائيًُا لانتهاء"عقد عمله"مع شعبه.

كما أن هذا النظام جعل توازنًا كبيرًا بين سلطة الحاكم والبرلمان. فليس للحاكم فعل ما بدا له دون استشارة الأحزاب الممثلة في البرلمان، فهي تحاسبه محاسبة شديدة. وهو نفسه إذا قام بعملٍ ما يتحمل مسؤوليته وقد يعزل نفسه.

و حتى الدول الملكية التي ترى في ذلك حفاظًا على تقاليدها العريقة كبريطانيا واليابان وغيرها توصلت إلى ما يسمى بالملكية الدستورية، حيث لا يعزل الملك، لكنه يسود ولا يحكم، وينوب عنه رئيس الوزراء الذي يحاسب على كل أفعاله ويعامل معاملة الرئيس في النظام الجمهوري.

لقد كان جد جدنا الإمام ابن جعفر، رحمه الله تعالى، يجيز هذا النظام الجمهوري أخيرًا. بعدما رأى ملوكًا من ملوك المسلمين باعوا أممهم بأبخس الأثمان لأعدائهم دون أن يحاسبهم أحد على جرائمهم الفظيعة!! وقال إنه لم يعد هناك شخص يمكن أن يحمل مسؤولية الملايين من المسلمين ويكون أهلًا لذلك.

(1) هنا أتكلم عن غالبية العلماء، ولا أنكر وجود قلة من أئمة الهدى والسنة ممن وقف في وجود الظلمة وقال كلمة الحق، ولم يخل منهم زمان ولا مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت