الذاكرة. ويمكن شرح هذه النقطة بوضوح بإعطاء مثلا وقع في أحد الاستجوابات:
في آذار عام 1942 جيء بهانس إلى دائرتي للاستجواب، وبما أنه لم يحاكم كجاسوس إمتنع من إعطاء إسمه الحقيقي هنا. جلست إلى الخلف وأخذت أتفحصه عن كثب، كان طويلا ونحيفة ولكنه كان قوية ومسيطرة تماما على نفسه، وكانت عيناه الحادتان الزرقاوان وشعره الأشقر وعضيا وجنتيه العاليان وخداه المنخفضان كلها تقول إنه (ألماني) ، وحتى القطع الذي كان على خده الأيمن كان يتكلم عن هويته، ومع هذا كان هناك ألمان طيبين وآخرون خبثاء، و كانت مشكلتي هي معرفة طبيعة نبات هانس.
كانت قصته بسيطة وغير معقدة. وقبل أن يتكلم كثيرا عرفت أنه رجل ليس مثقفة فحسب ولكنه كان ذكيا وعنيدة. وقد إعترف بصراحة أنه ألماني ولكنه إدعي بأنه هرب إلى الدنمارك في عام 1936 حيث أن معارضته للنازية جعلت حياته وأملاكه في خطر، وفي كوبنهاكن إشتغل بالمحاماة وحصل على حياة مريحة، وعند مجيء التازيين واحتلالهم الدنمارك في 1940 وجد نفسه في خطر أكثر من ذي قبل وبهذا أخذ يعمل بالسر ودخل ألمانيا وخرج منها إلى سويسرا ومنها إلى جنوب فرنسا ثم عبر الحدود الاسبانية ووصل إلى برشلونه. وكانت هذه المدينة منفذا حقيقية للهرب کا عرفت.
وقد أخذت أوجه له الأسئلة الدقيقة عن بداية قصته، وتبين بعد فترة قصيرة أنه عاش مدة من الزمن في كوبنهاكن، فقد عرفت المدينة جيدا. وكان واضح أيضا أنه عمل في المحاماة لاستعماله الكثير للمصطلحات القانونية بدون أن يشعر، وتبين أيضا أنه عقب طريق الهرب الذي ذكره لأنه أخبرني عن تفاصيل لا يمكن لغير المسافر على ذلك الطريق أن يذكرها. وإلى هنا كان كل شيء على ما يرام.
وهنا أسندت ظهري على الكرسي وأشعلت سيكارة وسألته بالالمانية: