هناك آخرون يدركون تماما أن السطوة نادرا ما تأتي من محاولات تغيير الواقع؛ بل من تغييرك لنفسك لتلائم الواقع، وأن تصبح جزءا من نسيجه وتعرف كيف تحرکه وتتحرك معه. لكن الكثيرين من أولئك الواقعيين لا يفرقون بين السطوة والقهر ويعتبرونها شيئا واحدا؛ فيبرزون أنفسهم بإضعاف من حولهم وبالتقرب من مراكز السطوة بالقسوة والحيلة والتملق وبأي قناع يحقق لهم أهدافهم. ويصبحون كالمرض الذي لا ينتعش إلا بإضعاف الجسد ناسين أن للمجتمعات أيضا مناعة وللتاريخ إيقاع يجعله يتخلص من الطفيليين والانتهازيين. سطوة الشدة والقهر تشبه الإدمان تعطى لذة مؤقتة وإحساسا زائفا بالذات ينتهي حتها بعواقب وخيمة.
اللجدل والقسوة أدوار محددة في عالم السطوة؛ واستخدامها بشكل جامد الإرضاء الناس أو قهرهم يجعلك كالممثل الذي يستخدم حيل مكرورة لإضحاك الناس أو إبکائهم ولكن مع التكرار سيستهلكك الجمهور و في النهاية يلفظونك. لا بديل لمن يريد سطوة راسخة ومزدهرة عن فهم الناس والأحداث وبراعة التصرف حسب مقتضيات الموقف والمرحلة والعصر. ولتعلم أن حب الناس لك أو خوفهم منك ليسا إلا مشاعر، وأن المشاعر عابرة كالزبد وتنهار بمن يؤسس عليها سطوته ولا تدوم إلا العلاقات التي تقوم على المنفعة والمصالح .. ولتذكر أنه: إن كانت البراعة لازمة لك لكي تحقق سطوتك؛ فإنها لازمة لك أكثر لكي تحافظ عليها. ولا تجعل أبدا غرور الحالمين والمستبدين يقنعك بغير ذلك.
هناك حكاية بسيطة تجعلك تفهم كيف يؤثر البارعون فيمن حولهم دون جدل أو فهر: مر رجل أثناء ترحاله على قرية وشعر بالظمأ، فلجأ إلى بيت وساهم الماء فسقوه وارتوي وهم بالرحيل. رأي الشاب الذي قدم الماء سيناء الحكمة في الرجل فطلب منه أن يساعده في حل مشكلة تؤرقه هو وإخوته. مات أبوهم وترك لهم ميرانا سبع عشرة ناقة وأوصى أن يكون للأخ الأكبر نصفها وللأوسط ثلثها وله هو الأخ الأصغر تسعها، وتحيروا في ذلك لأنهم لم يرغبوا في ذبح أي ناقة وتقسيمها