معظم الناس لا يتجاوزون أبدا هذا الخلط لأن رغباتهم واحتياجاتهم تشوش تفكيرهم وتجعلهم يظنون بأن من يتوجهون إليه بالطلب لا يضع اعتبارا لمصلحته الشخصية في المساعدة التي يقدمها لهم وكأن احتياجاتهم تهمه لكن الواقع أن ذلك قد لا يعنيه في شيء، ونجد أحيانا من يترجى تحقيق مطالبه باسم المبادئ والقيم السامية كالمحبة والعرفان بالجميل وبذلك يقحم القضايا الإنسانية الكبرى في الشئون التي تحكمها الوقائع اليومية البسيطة. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الناس جميعا حتى أكثرهم سطوة تحكمهم احتياجاتهم الخاصة وإن لم تخاطب فيهم مصالحهم فلن بروا في إنصاتهم لك إلا إزعاجا أو على الأقل مضيعة للوقت.
في القرن السادس عشر كان البرتغاليون يحتكرون التجارة بين اليابان وأوروبا؛ لكن كان معهم مبشرون يسعون جاهدين لتحويل اليابانيين إلى المسيحية الكاثوليكية، وعلى الرغم من تحقيقهم لبعض النجاح إلا أنهم لم يتمكنوا أبدا أن يضموا إليهم أحدا من الطبقة الحاكمة. بل أنه في بداية القرن السابع عشر بدأ الإمبراطور إياسو يضيق بهم وبدعوتهم. وحين بدأ الهولنديون يتوافدون إلى اليابان بأعداد كبيرة شعر إياسو بالارتياح لأنه لم يكن يريد من الأوروبيين إلا خبرتهم في صناعة السفن والسلاح، وسعد كثيرا بالهولنديين لأنهم أوروبيون لا يهتمون إلا بالتجارة؛ ولذلك بدأ في التخلص من البرتغاليين ولم يعد بتعامل بعدها إلا مع الهولنديين العمليين
كانت الاختلافات الثقافية كبيرة بين اليابان وهولندا لكن كان يجمعهما ما يجمع كل البشر في كل زمان ومكان وهو المصلحة. كل شخص تتعامل معه يشبه ثقافة غريبة عنك لكن يمكنك أن تتجاوز الفجوة بينكما إن خاطبته بمصلحته. لا تتحرج وأظهر له بوضوح أن خبراتك ستملأ جيوبه ذهبا أو تشفيه من داء عضال أو تجعله يحيا حياة هانئة، فتلك اللغة يفهمها الجميع ويتكلمها الجميع
الخطوة الأساسية في هذه العملية هي أن تفهم شخصية من تتعامل معه، هل هو من النوع المغرور؟ هل يقلق على سمعته ومكانته الاجتماعية؟ هل لديه أعداء قد تساعده على أن يقهرهم؟ هل هو من النوع الذي لا يحركه إلا المال والسطوة؟.