فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 628

هذا الجو من الغموض يتيح لمتوسطي القدرات أن تظهر عليهم سمات الذكاء والحكمة، وهو الذي سمح لامرأة عادية في الذكاء والجمال مثل ماتا هاري أن تبدو کنجمة أسطورية ويبدو رقصها قدسيا. وهذا الغموض يسمح لأعمال الرسامين أن تأخذ بألباب الناس فور رؤيتها، وهي حيلة استخدمها مارسيل دوشان ببراعة، وهي حيلة يسهل تنفيذها: لا تكثر من التحدث للمشاهدين عن عملك، فقط حفزهم وأغرهم بتعليقات جذابة بل وحتى متناقضة ثم تنح عن الحوار ودع الآخرين يصيغون المعنى لعملك ولتعليقاتك.

الأشخاص الغامضون يضعون الآخرين في مرتبة أدني نوعا ما بجعلهم ينشغلون بالتفسير، كما يبثون فيهم الخوف والرهبة التي تحيط بأي شيء مجهول أو محير، القادة العظام جميعا يعرفون أن هالة الغموض تجذب إليهم الانتباه وتثير الخوف فيمن حولهم. كان ماو تسي تونج مثلا يعطي لنفسه صورة مبهمة ولم يكن يخشى أن يبدو متناقضا أو غير متسق - فقد كان تناقض أفعاله وكلماته يعنيان أن له السطوة دائها، ولم يشعر أحد - حتى زوجته - أنه يفهمه ولهذا كان يبدو أسطوريا، وكان ذلك يستدعي إصغاء الجماهير وانتباههم المستمرين له بل وتحمسهم لمعرفة خطوات التالية.

إن كان وضعك الاجتماعي يمنعك من أن تظهر غامضا تماما فاحرص على الأقل أن لا تبدو مقروءا تماما، فمن آن لآخر عليك أن تخالف ما يتوقعه الناس منك، فذلك يضع من حولك في موقف دفاع ويجذب إليك الانتباه الذي يمنحك السطوة، كما أن الحيرة والالغاز إن أتقنت صنعها يمكنها أن يبثا الرعب في قلوب أعدائك.

في حرب قرطاجة الثانية (219 - 202 ق. م) كان القائد العظيم هانيبال يدمر ما يمر به في زحفه نحو روما، وقد كان معروفا بالمكر والدهاء.

بقيادته كان جيش قرطاجة قد استطاع بالتحايل أن يتفوق دائما على جيش روما الأكبر عددا، لكن في إحدى المرات ارتكب جنود الاستكشاف لديه خطأ فادحا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت