كانت طموحات زيل أعلى من ذلك. لم تكن لديها خبرة في الرقص ولم تعمل من قبل في مسرح لكن في طفولتها كانت تسافر مع أسرتها ورأت رقصات محلية في جاوة وسومطرة. وقد تبين لمرجريتا بوضوح أن الأهم في أدائها ليس الرقص نفسه ولا حتى جمال وجهها وقوام جسدها بل في قدرتها على أن تشيع حولها جوا من الغموض والسحر. لم يكن الغموض الذي صنعته لنفسها ينحصر في الرقص أو الملبس أو في الحكايات التي كانت تقصها أو الأكاذيب التي لا تنتهي حول نشأتها بل كان غموضا تغلف به كل ما تفعله. فلم يكن بمقدورك التأكد من أي شيء يخصها، فقد كانت دائمة التغير، ودائما تفاجئ الجمهور بأزياء جديدة ورقصات جديدة و حکايات جديدة. كانت هذه الحالة من الغموض ترغب الجمهور في معرفة المزيد عنها وتجعله يتشوق لمعرفة خطوتها التالية. لم تكن ماتا هاري أجمل من باقي الفتيات اللاتي أتين إلى باريس ولم تكن مميزة في الرقص. كان ما مميزها عن جموع مثيلاتها وجذب إليها الجماهير ومنحها الشهرة والثروة هو غموضها. افتتن الناس بغموضها لأنه يحفزهم لتفسيرات لا تنتهي، فلا يمكن الإمساك بأي شيء غامض، وكل ما لا يمكن اقتناصه أو استهلاکه يمنح السطوة.
مفاتيح للسطوة:
كان العالم في الماضي مليئا بأشياء مجهولة ومروعة- کالأمراض والكوارث و تبدل الطغاة وغموض الموت نفسه. كل ما لم نفهمه كنا نتصوره كأساطير وسحر، لكن في القرن الماضي وبمعونة العلم والعقلانية استطعنا أن نضيء هذه الظلات، فما كان من قبل غامضا وعصيا أصبح الآن معتادا ومألوفا. لكن هذا التنوير ثمن: في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلا بعد أن اعتصر كل ما فيه من غموض وأساطير أصبحنا تميل إلى أن نصنع سرا ألغازنا المحيرة من أناس أو أشياء لا يمكننا تفسيرها أو حصرها أو استهلاكها.
تلك هي قدرة الغموض، فهو يحفزنا إلى التفسير ويستثير خيالنا ويفتننا للاعتقاد بأنه يجوي سرا مدهشا. أصبح عالمنا معتادا و مبتذلا ويمكننا توقع ما فيه ومن فيه الدرجة تجعلنا دائما تقريبا نسلط الضوء على كل ما يبدو غامضا ونندفع لتأمله