فالشرعية في الديمقراطية هي لمن يأخذ أغلبية الأصوات، وهذا ليس هو المعيار الرباني؛ إنما المعيار الرباني - كما ذكرنا في فصل سابق - هو تحكيم شريعة الله، ومن أعرض عن تحكيم شريعة الله فلا شرعية له في دين الله، ولو حصل على كل الأصوات لا غالبيتها فحسب، وهنا مفرق طريق حاد بين الإسلام وبين الديمقراطية.
وحين ندخل في لعبة الديمقراطية فلا بد أن نقر بشرعية من يأخذ غالبية الأصوات، ولو كان لا يُحَكِّم شريعة الله، لأن هذا هو قانون اللعبة، والذي لا نملك مخالفته، وعندئذ نقع في محظور عقدي، وهو إعطاء الشرعية لأمر قال الله عنه إنه كفر، وهو التشريع بغير ما أنزل الله.
ومهما قلنا في سرنا وعلننا: إننا لا نوافق على التشريع بغير ما أنزل الله، فإنه يلزمنا أن نخضع لقانون اللعبة، ما دمنا قد ارتضينا أن نلعبها، بل طالبنا في كثير من الأحايين أن يُسمح لنا باللعب فيها، واحتججنا حينما حرمنا من هذا الحق ..
ولم يَفُت أعداءنا أن يستغلوا وقوعنا في ورطة الديمقراطية ليحرجونا, ويشتدوا في إحراجنا, فقالوا لنا: ما موقفكم إذا دخلتم الانتخابات ولم تنجحوا, ونجح غيركم ممّن لا يحّكم الشريعة؟ فقلنا -وياللعجب-: نحترم رأي الأمّة!! فسألونا: إذا كنتم في الحكم ثم رغبت الأمّة عنكم, وأعطت الأصوات لغيركم, فقلنا -وياللعجب-: نخضع لقرار الأمة! أولو كان قرار الأمة مناقضًا لما قرره الله؟!
أي تمييع لقضية لا إله إلا الله وقضية الشرعية أشدّ من ذلك؟
ومع ذلك فما دمنا قد دخلنا اللعبة فلا مناص لنا من أن نقبل قانونها, لأنّ هذا هو مقتضى المنطق. إنما يحقّ لنا أن نرفض القانون حين لا نشارك في اللعبة أصلًا, فنكون منطقيين مع أنفسنا ومع الناس حين نقول لهم: إننا لم نشارك في اللعبة لأنّ قانونها مخالف لما قرره الله وألزَمَ به عباده ..
وبطبيعة الحال, فإننا حين نقول ذلك فسيقول عنّا أعداؤنا: أنتم لستم ديمقراطيين, أنتم أعداء الديمقراطية, ونقولُ لهم: قولوا ما شئتم, فلن نقبل نظام حكم يعطي البشر ابتداءً حقّ التشريع بما يخالف شرع الله؛ لأننا إن قبلنا ذلك لا نكون مسلمين! والذي أنزله الله علينا هو الإسلام وليس الديمقراطية, والذي ألزمنا الله به هو الإسلام وليس الديمقراطية, والذي يحاسبنا الله عليه يوم القيامة هو الإسلام وليس الديمقراطية [إن الدين عند الله الإسلام] (آل عمران:19 (