فالمعركة الحربية في الحركة الإسلامية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد، وتدبير حربي فحسب .. فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم الضمير، وعالم التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة. . إنها ذات ارتباط وثيق بصفاء ذلك الضمير، وخلوصه، وتجرده، وتحرره من الأوهاق والقيود التي تطمس على شفافيته، وتقعد به دون الفرار إلى الله! وكذلك هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها حياة الجماعة المسلمة، وفق منهج الله القويم. المنهج الذي يقوم على الشورى في الحياة كلها - لا في نظام الحكم وحده - وعلى النظام التعاوني لا النظام الربوي. والتعاون والربا لا يجتمعان في نظام!
والقرآن كان يعالج الجماعة المسلمة، على إثر معركة لم تكن - كما قلنا - معركة في ميدان القتال وحده. إنما كانت معركة في الميدان الأكبر. ميدان النفس البشرية، وميدان الحياة الواقعية. . ومن ثَمَّ عرَّج على الربا فنهى عنه؛ وعرج على الإنفاق في السراء والضراء فحض عليه؛ وعرَّج على طاعة الله ورسوله فجعلها مناط الرحمة؛ وعرَّج على كظم الغيظ والعفو عن الناس، وعلى الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار، والتوبة وعدم الإصرار؛ فجعلها كلها مناط الرضوان، كما عرَّج على رحمة الله المتمثلة في رحمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولين قلبه للناس. وعلى مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات. وعلى الأمانة التي تمنع الغلول. وعلى البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على الغزوة من آيات. .
عرَّج على هذا كله. لأنه مادة إعداد الجماعة المسلمة للمعركة في نطاقها الواسع؛ الذي يتضمن المعركة الحربية في إطاره ولا يقتصر عليها. معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير" [1] ."
(1) - في ظلال القرآن 1/ 427 والأوهاقُ: جَمْع وَهَق - بالتَّحريك - وقد يُسَكَّن، وهو حَبْلٌ كالطِّوَل تُشَدُّ به الإبِلُ والخَيْل، لِئلا تَنِدَّ.