الصفحة 24 من 95

وكانت الأحداثُ تشتدُّ على الجماعِة الناشئةِ، حتى لتبلغَ أحيانًا درجةَ الفتنةِ، وكانت فتنةً كفتنةِ الذهبِ، تفصلُ بين الجوهرِ الأصيل والزَّبَدِ الزائف؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها.

وكان القرآن الكريم يتنزلُ في إبَّان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصوِّر الأحداثَ، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقفُ والمشاعرُ، والنوايا والضمائرُ، ثم يخاطبُ القلوبَ وهي مكشوفةٌ في النورِ، عاريةٌ من كل رداء وستار؛ ويلمس فيها مواضعَ التأَثُّرِ والاستجابةِ؛ ويربِّيها يومًا بعد يوم، وحادثًا بعد حادثٍ؛ ويُرَتِّبُ تأثُّرَاتِهَا واستجاباتِها وفقَ منهجِهِ الذي يريدُ.

أخذهم اللهُ بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات؛ لأن هذه الخليقة البشرية لا تُصاغ صياغةً سليمة، ولا تنضج نضجًا صحيحًا، ولا تصِحُّ وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تُحْفَرُ في القلوبِ، وتُنْقَشُ في الأعصابِ؛ وتأخذُ من النفوسِ وتعطِي في معتركِ الحياةِ، أمَّا القرآنُ فيتنزلُ ليكشفَ لهذه النفوسِ عن حقيقةِ ما يقعُ ودلالتِهِ؛ وليُوَجِّهَ تلك القلوبَ وهي منصهرةٌ بنار الفتنةِ، ساخنةً بحرارةِ الابتلاءِ، قابلةً للطَّرْقِ، مطاوعةً للصياغة!" [1] ."

يأتي النصُّ القرآنيُّ مُعالجا للحدث التاريخيِّ، مع إبرازِ الدروسِ والعبر التي تظلُّ مناراتٍ وبصائرَ للأمة تقتبس منها ما يُصلحهُا في حاضرِها ومستقبلِها.

فَمِنْ سردِ الأحداثِ إلى استخلاصِ العِبرِ ومعالجةِ القصورِ والخلل، والإشادةِ بمواقف البطولةِ والرجولةِ، والتدرُّجِ بالأمةِ إلى أعلى مراتبِ الرُّقيِّ والنُّهوضِ، وبيانِ معيَّةِ اللهِ لعبادِهِ المؤمنينَ ولطفِه بهم وهم في خضمِّ الفتنِ.

ثالثا: القرآن يسبق الأحداث

(1) - في ظلال القرآن 6/ 49، 50 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت