وفرق القاضي أبو بكر بن العربي المعافري (ت:543 هـ) ، في كتاب العواصم، بنوع من الاجتهاد الحذر؛ تفريقا لطيفا بين الخلافة والملك، من غير ذم لأحدهما. قال في سياق خلافة معاوية رضي الله عنه، منتقدا من ذم الملك لذاته وصنيع معاوية فيه: (ويحتمل أن تكون مراتبُ في الولاية: خلافة، ثم ملك، فتكون ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك لابتداء معاوية. وقد قال الله في داود ـ وهو خير من كلّ معاوية ـ(وآتاه الله الملك والحكمة) (البقرة:251) فجعل النبوة ملكا، فلا تلتفتوا إلى أحاديث ضعف سندها ومتنها!) (11)
ولذلك قال الإمام القرافي، فقيه المالكية في عصره (ت:684 هـ) ؛ متحدثا عن (ولاية العهد) : (ويعقدها الإمام لمن يريد، فيكون إماما للمسلمين بعده، كما فعل الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه) (12) .
ومن هنا قال ابن تيمية كما ذكرنا قبل ـ وهو العالم (الثائر) بلغة اليوم، الذي قضى سجينا ـ مقررا: (أن شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا، وأن ذلك لا ينافي العدالة، وإن كانت الخلافة المحضة أفضل) (13) .
وهذا الفقه هو الذي أرخ له العلامة ابن خلدون بقوله: (لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب االشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا( ... ) فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا، ويكون من توابعها) (14) . وقوله أيضا: (واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه، من القهر والظلم والتمتع باللذات!) (15) .
وما أحسب أن هذا الفقه كان ينشأ في الأمة، ويحصل عليه شبه هذا الإجماع؛ لو أن النصوص كانت واضحة أو ظاهرة في منعه. بل هي قد تفيده وتقتضيه! كما بينا قبل في أحاديث الخلافة والملك!