فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 210

أن يغيب عن المجتمع البشري المنظم. وهو ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري والعمراني، على حد تعبير ابن خلدون.

ثم إنه لا يسمى السكوت الشرعي (سكوتا) إلا بشروط علمية. أهمها: وجود (المقتضي للكلام) . وهذا معلوم في (أصول الفقه) . والمقصود (بالمقتضي) : وجود الدواعي للتشريع نصا، ثم لا ينص عليه! والدواعي في مسألتنا أكثر من أن تحصى، فقد جاء الإسلام بين دولتين عظيمتين: الامبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطية. ونشأت الحضارة العربية على أنقاض ممالك اليمن، بل لقد هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وقبيلتا الأوس والخزرج على وشك تنصيب (عبد الله بن أبي) ملكا عليهم! وأمر قبل ذلك بالهجرة إلى الحبشة وهي دولة ملكية. وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: (إن بالحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد!) (48) . ثم إنه بمجرد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حدث ما حدث بين الصحابة من الخلاف، في المسألة السياسية، في سقيفة بني ساعدة! فكل هذا ونحوه قاطع في وجود المقتضي للتشريع النصي الصريح، ولكن مع ذلك لا نص يمكن القطع بدلالته على ما نحن فيه، ولو كان لارتفع الخلاف منذ اللحظة الأولى عند نزول أول نازلة من هذا القبيل على المسلمين. بل قد استشرى الخلاف حتى صار إلى ما عرف في التاريخ بالفتن السياسية!

فهل كان الشارع غفلا عن هذه المسألة؟ طبعا كلا! فهذا وحي من الله ذي الجلال والكمال على نبي معصوم! ودواعي ذلك كانت حاضرة في العالم آنئذ بقوة إلا أن الشارع (سكت) عن المسألة! والسكوت بهذا الاعتبار تشريع: مفاده أن قصد الشارع ألا يكون فيها تشريع منصوص. وأن تحال على الاجتهاد البشري المحض. ولذلك لا تكون بالنسبة لجوهر الدين من حيث هو (دين) إلا وسيلة، لا ركنا ولا غاية. ووجوبها إنما هو من الوجوب الوسلي. أي كما يقول العلماء في قاعدتهم: من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت