ومع ذلك أقول: إن مثل هذه الأحاديث يصعب جدا من الناحية العلمية، والتاريخية؛ أن تنزل على مناطات بعينها، ووقائع بذاتها، ثم تفسر تفسيرا حرفيا! تماما كما صنعت الشيعة الاثنا عشرية بالحديث المذكور!
وليس معنى ذلك - مرة أخرى - أننا نؤصل ههنا لطاعة الطواغيت، ممن أعلن كفره صراحة، وعاث فسادا في البلاد والعباد! كلا ولا كرامة! وإنما القصد بيان حجم إشكال المسألة السياسية في الإسلام؛ عسى أن نفقه باب الخروج الدعوي من النفق، ونضع أيدينا على المفتاح الحقيقي لتجديد الدين في الأمة.
إن أحاديث الفتن ليست أبدا محل التشريع إنما محله معروف لدى علماء أصول الفقه. ألا وهو النصوص القرآنية الواضحة الصريحة، ونصوص السنة الآمرة الناهية! القولية والفعلية والتقريرية. أما أحاديث الفتن فلا علاقة لها بهذا كله إلا تبعا! وإنما هي كالحديث عن (أشراط الساعة وأماراتاها) فائدتها حفظ التدين الفردي من الفتن المتوقعة.
ولا يقر عاقل أن يسكت الشرع عن تشريع الأحكام السياسية لتستنبط بعسر شديد من أحاديث الفتن!
أين نصوص وجوب تنصيب الإمام أو الخليفة؟ أين نصوص شكل الشورى وقواعدها ونواقضها؟ أين نصوص تحريم الملك أو إيجابه؟ أين نصوص تقسيم السلط وتصريفها؟ أين نصوص مدة الترأس والاستخلاف بين العمر وبعض السنوات؟ أين نصوص الوزارات وحدود وظائفها؟ أين وأين وأين؟
وقد يقال: ـ على سبيل الاعتراض ـ إن إمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمانه، هي نفسها تشريع سياسي. أليس هو المبلغ عن الله؟ والجواب: أن علماء التشريع الإسلامي منذ القديم فرقوا في تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم -، بين التصرفات بالإمامة، والتصرفات بالرسالة، والتصرفات بالفتيا، والتصرفات بالقضاء. وأن (التصرفات بالإمامة) هي تصرفات مصلحية؛ لسياسة أناس في زمان معين ومكان معين، لا تلزم غيرهم؛ فلا علاقة لها بالتشريع. وإنما التشريع متعلق