نعم هناك نصوص أخرى قليلة، وصحيحة أيضا، تدل على نفي الطاعة عمن كانت هذه أوصافهم من الأمراء، مثل ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله، إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله!) (37) . وأحيانا قد تجد بعض الأحاديث في مثل هذه الأمور تشير إلى جواز نوع من (الإرجاء السياسي) الذي يمارسه البعض، وهو: الاعتزال مطلقا! قال - صلى الله عليه وسلم: (سيكون أمراء تعرفون وتنكرون. فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك) (38) .
ثم ما رأيك ـ بعد هذا كله ـ في حديث صحيح مليح، بل متفق عليه؛ ينقض ظواهر كل ما سبق ذكره من أحاديث! وعلى رأسها حديث (الخلافة على منهاج النبوة) ! قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة، كلهم من قريش، ثم يكون الهرج!) (39) . فالاثنا عشر خليفة هذه ـ إذا تتبعنا حرفية النص على المستوى التاريخي ـ كلهم ـ ما عدا الأربعة الأوائل ـ من خلفاء بني أمية وبعض بني العباس. وقد تحولت الخلافة حينئذ إلى (ملك) !
ولقد حاول أحدهم في مناقشة لي معه أن يذهب إلى أن (الاثني عشر خليفة) قد يتواردون من غير تتابع؛ حتى يُخْرِجَ خلفاءَ الأمويين والعباسيين من الإحصاء! قلت: كلا! هذا تأويل باطل! بل صيغة الخطاب اللغوي حيث تستعمل فيه عبارة: (لا يزال) تدل على الاستمرار والتتابع! ولا دلالة فيها على الانقطاع. وذلك كما في قوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود:118) . وقوله سبحانه: (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ) الآية (التوبة: 110) . كلها تعابير دالة على الاستمرار.