وسأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية، أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:(اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حملتم) (33) .
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ـ قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ ـ فقال: لا! ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة!) (34)
ثم إن خلاصة ما وصل إليه فقهاء الحديث وشراحه من المتأخرين، إنما كان زبدة ما أجمع عليه علماء الأمصار من المتقدمين. فهذا ابن حجر العسقلاني قد رأى ـ في الفتح ـ (وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه، ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق) (35) .
وقال النووي في شرح مسلم: (وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة، في جميع الأحوال؛ وسببها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم، في دينهم ودنياهم) (36) .
ولي ههنا كلمة بعد سرد هذه الأحاديث الصحاح: وهي أنه كان على الذين يسوقون أحاديث الفتن، ويختارون منها ما يناسب مأربهم من الخروج على الحكام؛ أن يسوقوا هذه أيضا! ويقوموا ـ بعد عرض هذه على تلك ـ بما يقوم به الفقيه من الاجتهاد والترجيح؛ لنفهم كيف تم إبطال العمل بما صح من البخاري ومسلم! تما كما أبطلنا ما ساقه (فقهاء الخروج) من فهمهم لحديث: (الخلافة على منهاج النبوة) .
ومثل هذه النصوص ـ نصوص السمع والطاعة ـ هي أغلب ما ورد في أحاديث الفتن السياسية، ولو استقيناها لخرجنا عن غرض هذا الكتاب.