قلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: تلتزم جماعة المسلمين وإمامهم، تسمع وتطيع الأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع!) (25) .
ثم أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوشك أن أدعى فأجيب، فيليكم عمال من بعدي، يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة. فتلبثون كذلك دهرا، ثم يليكم عمال من بعدهم، يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم؛ فأولئك قد هلكوا وأهلكوا! خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء!) (26) . فقوله - صلى الله عليه وسلم: (فمن ناصحهم) لا يعني النصيحة الصالحة، وإنما المقصود: ناصحهم بمعنى دلهم على مسالك ما يشتهون من غواية. فهو المعنى السلبي للنصح. والدال على ذلك القرينة الظاهرة من قوله بعد: (فأولئك قد هلكوا وأهلكوا!) فهذا صارف للفظ الأول عن ظاهره. ثم إن كليات الإسلام في وجوب النصح للأئمة شاهدة على هذا التأويل الصحيح. وليس في هذا النص إلا ما يدل على وجوب المهادنة للسلطان الجائر! وأصرح منه قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون فرقة واختلاف فإذا كان كذلك فاكسر سيفك، واتخذ سيفا من خشب، واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو ميتة قاضية) (27) .
ومن هنا كان الفقه الذي أجمع عليه فقهاء الأمصار ـ كما سنبينه في الفصل الثالث بحول الله ـ هو: عدم جواز الخروج على السلطان المسلم، مهما كان شأنه في الدين بين القوة واللين! ومهما كانت صيغة بيعته بين ولاية العهد، وشورى أهل الحل والعقد.
وسسب ذلك الفقه؛ إنما هو ما أجمعوا عليه من حرمة نزع اليد من الطاعة للأمراء، ولو كانوا ظلمة وفساقا! رعيا للمصلحة الراجحة المتمثلة في اجتماع كلمة المسلمين، من جهة؛ ولتأخر رتبة الأحكام السياسية في