ومعلوم أنما أحاديث الفتن في غالبها أخبار، لا إنشاءات. بالمعنى البلاغي. والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من (الإنشاء) لا من (الخبر) بالمعنى المذكور. ولو ورد التشريع في صيغة الجملة الخبرية لكان بمعنى الإنشاء، كما هو في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) (البقرة:183) أي بمعنى: صوموا!
ومن أشهر ما ورد في الشأن السياسي، من الحديث النبوي؛ قوله - صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت) (21) .
وهذا حديث مشهور، متداول لدى كثير من أبناء الحركات الإسلامية اليوم، يستدلون به على فساد الوضع السياسي المعاصر، و (يؤصلون) به للثورة ضده والزحف عليه! وهو حديث بالنسبة للنظر العلمي الأصولي لا يؤصل لشيء من ذلك! ـ ولا يلزم من هذا أننا ندافع عن هذا السلطان أو ذاك ـ وإنما القصد تمحيص الدليل والاستدلال؛ حتى إذا قامت الحجة والبرهان عندنا قامت بقوة، وألزمت نتيجتها حكما وإقناعا. وإنما الدلالة الأصولية لهذا الحديث ـ بكل مراتبها الممكنة ـ هي مجرد وصف خبري لما سيكون عليه الحال بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، من أمر الخلافة والملك إلى ما شاء الله! فهو إذن من أحاديث الفتن. لا من نصوص التشريع. هذه واحدة.
والثانية: فإن الحديث في حاجة إلى الاجتهاد المتعلق بـ (تحقيق المناط) بتعبير الأصوليين، أي التنزيل على معين. إذ لا نص على أن هذا النظام أو ذاك هو من الخلافة، أو من الملك العاض، أو الملك الجبري، فالتعيين والتنزيل إذن محض اجتهاد! وليس من نص الحديث.