فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 210

بل إن من المفسرين من نحا بها منحا (التشاور الفقهي) ؛ لتحصيل الاتفاق في الاجتهاد على الحكم الشرعي، بما يشبه (الإجماع) . ولقد نقل شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري (ت:210) نحو ذلك عمن سبقه من أهل التفسير. قال ـ بعد أن ذكر المعنى الأول: وهو أن مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم إنما هي لتأليف قلوبهم على الدين ليس إلا!: (وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمره بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويته إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم؛ ليتبعه المؤمنون من بعده، فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله في حياته، من مشاورته في أموره ـ مع المنزلة التي هو بها من الله ـ أصحابه وأتباعه في الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك؛ لم يخلهم الله عز وجل من لطفه، وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان:(وأمرهم شورى بينهم) (20) .

وأما آية سورة الشورى المذكورة آنفا؛ فهي إلى الدلالة العامة أقرب، ولا يجوز قصر اللفظ العام على بعض أفراده ـ كما هو معلوم في الأصول ـ بغير مخصص معتبر. ولذلك فإن الآية ـ كما هي تسمية السورة بأكملها بـ (الشورى) ـ دالة على امتداح الشورى في كل أمر ذي بال. خاصة وأن الآية وردت في سياق دال بالأصالة على أوصاف التدين العام. وذلك قوله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) الآيات. وقصرها على الدلالة السياسية (تحكم) ! وإنما هذه واحدة من أفرادها، ليس إلا! ولذلك كان التشاور في الطلاق جزءا من مقاصدها بهذا الاعتبار. قال عز وجل: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) (البقرة:231) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت