كل ذلك دال بالقطع على أن الإسلام قد وضع الإطار العام لقيام الدولة! ـ بمعناها الشامل ـ وذلك بتشريع العمومات فيما تحتاج فيه إلى عمومات، وتشريع الخصوصات فيما تحتاج فيه إلى خصوصات.
إلا بابا واحدا ووحيدا: هو باب الإمامة الكبرى وأحكامها الأصلية، المتعلقة بمنصب الخليفة، ومؤسسة الخلافة وهيكل الدولة، وشكل السلطة، وهو المسمى اليوم (بالقانون الدستوري) . أو بعبارة أخرى: الأحكام السياسية بالمعنى الحديث للكلمة، أي (فن حكم الدولة) ، هذا وحده لم ينل من التشريع القرآني إلا مجملات نادرة! ومن التفسير السني إلا إشارات عابرة! ومن الاجتهاد الفقهي إلا النزر اليسير!
أما كتب الأحكام السلطانية، أو السياسة الشرعية؛ فلم تعرف سبيلها إلى التأليف ـ على المشهور ـ إلا بعد عصور الاجتهاد، وبداية عصور التقليد على الحياة الإسلامية، على حد تعبير الدكتور يوسف القرضاوي (13) .
فمن أقدم ما صنف في هذا المجال كتاب الأحكام السلطانية للماوردي المتوفى سنة:450 هـ أي خلال النصف الأول من القرن الخامس الهجري! والأحكام السلطانية أيضا لأبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة:458 هـ ثم غياث الأمم لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة:476 هـ، ثم السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية المتوفى سنة: 728 هـ، والطرق الحكمية في إصلاح الراعي والرعية لتلميذة ابن قيم الجوزية المتوفى سنة:751 هـ وكتاب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة المتوفى سنة:749 هـ، ثم كتاب معيد النعم ومبيد النقم، لتاج الدين عبد الوهاب بن السبكي المتوفى سنة:771 هـ، وبعد ذلك كتاب نقد الطالب لِزَغَلِ المناصب لشمس الدين محمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة:953 هـ وهذا إنما هو نقل حرفي لأغلب مباحث (كتاب معيد النعم ومبيد النقم) لتاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي!