ذلك وما هو لاحق به؛ قد نص الشارع الإسلامي على أصوله، وكثير من تفاصيله، في القرآن والسنة، نصوصا تختلف بين إجمال وتفصيل. ويكفي ـ لتتبين حقيقة ما أقول ـ أن ترجع إلى كتب مثل (أحكام القرآن) لابن العربي المعافري المالكي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي أيضا، وأحكام القرآن للجصاص الحنفي، وأحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي، كل ذلك في القرآنيات. وأما الحديثيات فهي أكثر من ذلك ضخامة وعددا، منها الاستذكار لابن عبد البر المطبوع في ثلاثين مجلدا! وسبل السلام للصنعاني، ونيل الأوطار للشوكاني ... إلخ.
ثم علاوة على ذلك فإن كتب الفقه الإسلامي الضخمة قد استغرقت من التشريع التفصيلي ـ بغض النظر عن العبادات ـ الشيء الكثير في أبواب العادات، والمعاملات، من مثل أحكام الأسرة، كتفاصيل الزواج والطلاق والإرث، وأحكام البيوع والعقود والتصرفات، وأحكام الصرف، والقراض، والإجارة، والكراء، والشركات، وسائر المعاملات الزراعية كالمساقاة والمغارسة والمزارعة. وكذا أحكام القسمة، والشفعة، والرهون، والحجر، والتفليس، والصلح والكفالة والوكالة، والوديعة واللقطة، والغصب والضمان والطوارئ، والاستحقاق والهبات، والوصايا، والقضاء، والجنايات والعقوبات، وكذا أحكام الجهاد وتفصيل الحرب والسلم والصلح والهدنة ... إلخ. (12)
ويكفي أن تنظر في مثل هذا وزيادة ـ في المذهب المالكي ـ كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد، والمقدمات الممهدات له أيضا، والذخيرة للإمام القرافي، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، والمبسوط في الفقه الحنفي، والمغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي، وكتاب الأم للشافعي، والمحلى لابن حزم الظاهري ... إلخ. نظرة هنا أو هناك، في هذا المذهب أو ذاك، إلى أمهات الفقه الإسلامي؛ كافية لتصاب بالذهول من كثرة ما فرع وفصل في هذه الأبواب جميعا!