فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 210

لا يقال: بل إن السنة مساوية للكتاب في الرتبة التشريعية بدليل الحديث الصحيح الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذي نصه: (يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) (11) ؛ لأنا نقول: هذا الحديث (سياقه الأصيل) إنما هو في ذم من أنكر الاستدلال بالسنة جملة وتفصيلا! لا في ذم من رَتَّبها حيث رتبها الله ورسوله. وهو ما أجمع العلماء على القول به وفهمه. كما رأيت من نصوص الشافعي رحمه الله. وهو ـ بالإضافة إلى كونه إمام الأصوليين ـ من أول العلماء الذين شنوا الحرب العلمية على الطوائف التي أهملت الاستدلال بالسنة قصدا. وذلك هو موضوع الحديث المذكور. وهو ما لا يقول به إلا جاهل أو مغرض.

بل إن العلماء قد نصوا على ما هو أدق من ذلك: وهو أن الأصول التشريعية كلها، والكليات الدينية عامتها؛ قد تم النص عليها في السور المكية. وما ورد بالمدينة من التشريع إنما هو كالفروع الجزئية بالنسبة إلى ما شرع بمكة! فكان من الواجب على الفقيه المجتهد أن يفهم الجزئيات منزلة على وزان الكليات. قال إمام المقاصد أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في كتابه (الموافقات) : (إن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر) (12) . وبما أن الجزئي لا يفهم إلا في إطار كليه ـ كما قدمنا ـ وجب إرجاع المدني في الفهم إلى الأصول المكية. قال رحمه الله: (المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي( ... ) والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه. دل على ذلك: الاستقراء!) (13) ومعلوم أن الاستقراء عنده ـ كما هو عند غيره ـ يدل على القطع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت