(فروعا) . وله رحمه الله نص أوضح في التشريع القضائي يبين هذه المراتب الثلاث، قال: (ومن ينازع ممن بعد رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله، ثم قضاء رسوله؛ فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما، ولا في واحد منهما؛ ردوه قياسا على أحدهما) (7) .
فقوله: (ثم قضاء رسوله) دال على الترتيب كما هو عند أهل اللغة في معنى (ثم) . وهذا قصد الأصوليين بقاعدتهم المشهورة: (رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار) (8) .
والمقصود بالرتبة هنا ليس مجرد الترتيب في المصدرية التشريعية بالنسبة لعمل المجتهد؛ وإنما الرتبة التشريعية التي عليها تنبني قيمة الحكم المشرع له. فليس ما شرعه الشارع بنص الكتاب مساويا لما شرعه بنص السنة، ولا هذا مساويا لما شرعه بالاجتهاد. كما هو مفهوم من نص الشافعي المذكور. وهذا أصل عظيم من الدين وقاعدة جليلة من التشريع، لا يقود عدم اعتبارها إلا إلى المهالك.
وبمراعاة هذا المعنى امتنع عند الشافعي أن تنسخ السنة الصحيحة الكتاب؛ لأن كلام الله لا ينسخه إلا كلام الله. قال رحمه الله: (وأبان لهم أنه إنما نَسَخَ ما نسخ من الكتاب بالكتاب. وأن السنة لا ناسخة للكتاب. وإنما هي تبع للكتاب، بمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا!) (9) ثم قال: (فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله!) (10) .
فقوله هذا نص في أن السنة متأخرة عن الكتاب رتبة لا من حيث مصدرية التشريع لعمل المجتهد فحسب، ولكن أيضا من حيث القيمة التشريعية المتعلقة بالأحكام التكليفية الواردة في كل منهما. ولو استويا لجاز عنده أن تنسخ السنة الكتاب! وهو ما نفاه قطعا! وتأخر السنة عن الكتاب بهذا المعنى يستوي فيه كونها مفسرة للكتاب ومنشئة لأحكام جديدة. وهذا مطلب دقيق المعنى، عزيز المأخذ فتأمله!