إذن فالأصل في المقصود أصالة من الشريعة أن يكون منصوصا عليه في الكتاب. وهذه هي المرتبة الأولى من التشريع. وذلك حق أمهات الفضائل وأمهات الرذائل من الواجبات والمحرمات جميعا. وإنما للسنة المرتبة الثانية، فما اقتصر على تشريعه فيها ـ ولم يكن من قبيل البيان والتفصيل ـ كان إيجابه أو تحريمه بها من الدرجة الثانية، بالنسبة إلى ما أوجبه الله أو حرمه بالقرآن. ومن أخطأ هذه القاعدة الأصولية الجليلة فاته كثير من فقه الدين!
وأما ما سكتت عنه النصوص جميعا من الكتاب والسنة، وأحيل على الاجتهاد، فإنما هو من المرتبة التشريعية الثالثة! أي من حيث قصد الشارع إليها، وليس فقط من حيث هي مسألة اجتهادية! وبين الاعتبارين فرق بالنظر الأصولي الدقيق! أعني أن إهمال الشارع أمرا بعدم النص عليه في الأصلين: الكتاب والسنة، مع وجود المقتضي للتشريع، لا يكون نسيانا ولا غفلة، وإنما تشريعا! أي أن الشارع قد قصد إلى إغفال ذلك قصدا، ولم يكن عنده بالمقصود أصالة من الدين. وإنما يكون حينئذ من الوسليات والتبعيات، ولذلك وكله إلى الاجتهاد! وفي مثل هذا قال علماء أصول الفقه: (السكوت في معرض الحاجة بيان!) (4)
وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله ـ بإجمال ـ في رسالته على ما فصلناه من ترتيب تشريعي، فقال: (ما أنزل الله من جمل فرائضه: في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا على من أطاقه، وتحريم الزنا والقتل وما أشبه هذا. قال: وقد كانت لرسول الله في هذا سننا(5) ليست نصا في القرآن، أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها. وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها، لم يسن رسول الله فيها سنة منصوصة) (6) . فقوله رحمه الله: (أبان رسول الله عن الله معنى ما أراد بها) إشارة إلى أن وظيفة السنة البيان كما قدمناه. ولذلك كانت رتبتها التشريعية بالنسبة إلى الكتاب التأخير. وقوله بعد: (وتكلم المسلمون في أشياء من فروعها) يعني الاجتهاد، وأنت ترى أن التشريع فيه سماه