وبيان هذا المعنى ـ عند الشاطبي ـ على التفصيل، منزلا على شواهده كثير، نختار منه التمثيل التالي، إذ بالمثال يتضح المقال. قال رحمه الله: (اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة. ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة. وكان أولها: الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر. ثم تبعه ما هو من الأصول العامة، كالصلاة، وإنفاق المال وغير ذلك. ونهى عن كل ما هو كفر، أو تابع للكفر( ... ) ثم لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، واتسعت خِطة الإسلام، كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج، كإصلاح ذات البين، والوفاء بالعقود، وتحريم المسكرات، وتحديد الحدود، التي تحفظ الأمور الضرورية، وما يكملها ويحسنها، ورفع الحرج بالتخفيفات والرخص. وما أشبه ذلك كله تكميل للأصول الكلية) (14) .
وهذا الكلام مفيد في بيان أن الأحكام القرآنية نفسها ليست سواء، ولا هي على وزان واحد! فمن أخل بالجزئي لا يكون من حيث الوزر كمن أخل بالكلي. تماما ككون من أنكر البعث ليس سواء مع من زنى أو سرق دون أن ينكر ما أنكره الأول. وإن كان الفعلان كلاهما وزرا موزورا، وخطئا كبيرا!
فبناء على كل ما تقدم من تأصيل؛ تترتب أحكام القرآن الكلية أولا، ثم أحكامه الجزئية، ثم أحكام السنة. ثم الأحكام الاجتهادية المستنبطة منهما. هكذا على العموم.
وأما الأحكام الاجتهادية فهي آخرهن رتبة من حيث الأصالة التشريعية، والقوة التكليفية. ولذلك كانت ظنية كلها، بل لا محل للقطع فيها البتة! وكانت محل خلاف في الغالب، ومجال قبول ورد، ومتسعا للنظر المتجدد أبدا!
ثم إن مما يلحق بهذه القاعدة الترتيبية الكلية قاعدتين:
ـ الأولى: مفادها (أن ما كان مقصودا للشارع أصالة كان تشريعه تصريحا لا تلميحا) . ومن هنا لزم عند الأصوليين (أن تكون التكاليف الاعتقادية