يسمعه و يفقهه إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيرًا يفقهه: فالأول مستلزم للثانى، والصيغة عامة، فمن لم يفقهه لم يكن داخلا في العموم فلا يكون الله أراد به خيرًا وقد انتفى في حقه اللازم فينتفي الملزوم.
وكذلك قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} (22 - 23) سورة الأنفال. بين أن الأول شرط للثانى: شرطًا نحويًا، وهو ملزوم وسبب، فيقتضى أن كل من علم الله فيه خيرًا أسمعه هذا الإسماع، فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرًا فتدبر كيف وجب هذا السماع، وهذا الفقه، وهذا حال المؤمنين، بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه، أو فقه لا سماع معه أعنى هذا السماع.
وأما قوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} فقد يشكل على كثير من الناس, لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى، الذى كان يكون لو علم فيهم خيرًا، وليس في الآية ما يقتضى ذلك، بل ظاهرها و باطنها ينافي ذلك، فإن الضمير في قوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} عائد إلى الضميرين في قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} , وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم فيهم خيرًا فلم يسمعهم إذن (لو) يدل على عدم الشرط دائمًا وإذا كان الله ما علم فيهم خيرًا فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا و عصينا وهم (الصنف الثالث) .
ودلت الآية على أنه ليس لكل مَنْ سمع و فقه يكون فيه خير بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به، فلا يكون فيه خيرًا، ودلت أيضًا على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير، فإنه هو الذى ينتفع به، فأما مَنْ ليس ينتفع به فلا يطلب تفهيمه.
و (الصنف الثالث) من سمع الكلام وفقهه لكنه لم يقبله ولم يطع أمره كاليهود الذين قال الله فيهم: مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي