وإذا صح حدوث العالم؛ فلا بد له من محدث أحدثه، ومصور صوره، والدليل على ذلك: أن الكتابة لا بد لها من كاتب كتبها، والصورة لا بد لها من مصور صورها، والبناء لا بد له من بان بناه. فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعًا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع.
دليل ثان: ويدل على ذلك أيضًا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدمًا لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى من بالتأخر، دليل على أن له مقدمًا قدمه، وعاجلًا عجله في الوجود، مقصورًا على مشيئته.
ويدل على صحة ذلك أيضًا: علمنا بأن الصور الموجودة؛ منها ما هو مربع، ومنها ما هو مدور، ومنها شخص أطول من شخص، وآخر أعرض من آخر؛ مع تجانسها، ولا يجوز أن يكون المربع منها ربع نفسه، ولا المطول منها طول نفسه، ولا القبيح منها قبح نفسه، ولا الحسن منها حسن نفسه، فلم يبق إلا أن لها مصورًا صورها؛ طويلة، وقصيرة، وقبيحة، وحسنة، على حسب إرادته ومشيئته.
ويدل على صحة ما ذكرناه: أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا وجدنا منها الموت والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيًا، قادرًا، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها.
ويدل على صحة ذلك أيضًا: أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر العاقل المحصل، وهو الآدمي، ثم أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيًا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلًا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئًا، ولا عرقًا فكيف يكون محدثًا لنفسه ومنقلًا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقسه، ولم يبق إلا أن له محدثًا أحدثه، ومصورًا صوره ومنقلًا نقله؛ وهو الله سبحانه وتعالى.
وإذا ثبت أن للعالم صانعًا صنعه، ومحدثًا أحدثه، فيجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون مشبهًا للعالم المصنوع المحدث؛ لأنه لو جاز ذلك لم يخل: إما أن يشبهه في الجنس، أو في الصورة، ولا يجوز أن يكون مشبهًا له في الجنس؛ لأنه لو أشبهه في الجنس لجاز أن يكون محدثًا كالعالم المحدث، أو يكون العالم قديمًا كهو. لأن حقيقة المشتبهين المتجانسين: ما سد أحدهما مسد الآخر وناب منابه، وجاز عليه ما يجوز عليه، ولا يجوز أن يكون يشبه العالم في الصورة لأن حقيقة الصورة هي الجسم المؤلف، والتأليف لا يكون إلا من شيئين فصاعد؛ ولأنه لو كان صورة لا تحتاج إلى مصور صوره، لأن الصورة لا تكون إلا من مصور على ما قدمنا بيانه، وقد بين ذلك تعالى بأحسن بيان فقال تعالى:"أفمن يخلق كمن لا يخلق"وقد سئل بعض أهل التحقيق عن التوحيد ما هو ؟ فقال: هو أن تعلم أنه باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم.
وقال الجنيد رضي الله عنه: التوحيد إفراز القدم عن الحدوث، فأحكموا أصول العقائد بواضح الدليل ولايح الشواهد.
وقال أبو محمد الحريري رضي الله عنه: من لم يقف على علم التوحيد يشاهده من شواهده، زلت به قدم الغرور في مهواة التلف.
وقال الجنيد: أول ما يحتاج إليه المكلف من عقد الحكمة: أن يعرف الصانع من المصنوع، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث.
وسئل أبو بكر الزاهد رضي الله عنه عن المعرفة ما هي ؟ فقال: المعرفة اسم، ومعناه: وجود تعظيم في القلب، يمنعك عن التعطيل والتشبيه.
وقيل لأبي الحسن البوشنجي: ما التوحيد ؟ فقال: أن تعلم أنه غير مشبه بالذوات ولا بنفي الصفات.