ويجب أن يعلم: أن الاستطاعة للعبد تكون مع الفعل لا يجوز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه، كعلم الخلق وإدراكهم، لا يجوز تقديم العلم على المعلوم، ولا الإدراك، على المدرك.
والدليل على ذلك: قوله تعالى؛"وكانوا لا يستطيعون سمعًا"يعني قبولًا عند الدعوة. يعني: أنه لم يكن لهم استطاعة عند مفارقة الدعوة، فيحصل معها القبول، وأيضًا قوله تعالى:"إنك لن تستطيع معي صبرًا"وقول إبراهيم عليه السلام: رب اجعلني مقيم الصلاة فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكان يقول: قد جعلتك مقيمًا، ولم يكن لسؤاله معنى؛ لأنه سئل في شيء قد أعطيه وهو قادر عليه. وأيضًا قوله تعالى:"إياك نعبد وإياك نستعين"فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لم يكن للسؤآل فيها معنى، ولأن القدرة الحادثة لو تقدمت على الفعل لوجد الفعل بغير قدرة؛ لأنها عرض، والعرض لا يبقى، ولا يصح أن يوجد بعد الفعل. وأيضًا: لأنه يكون فاعلًا من غير قدرة، فلم يبق إلا أنها مع الفعل.
ويجب أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه سبحانه وتعالى، من حيث العقل، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفًا لهم وتفضلا، لوعد الله تعالى لهم بذلك.
والدليل على جوازها من حيث العقل: سؤال موسى عليه السلام، حيث قال"رب أرني أنظر إليك". ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل، ويدل عليه أيضًا: أنه موجود، والموجود يصح أن يرى.
وأما الدليل على ثبوتها من طريق الكتاب والسنة: قوله تعالى:"تحيتهم يوم يلقونه سلام"واللقاء إذا قرن بالتحية لا يقتضي إلا الرؤية. وأيضًا قوله تعالى:"للذين أحسنوا وزيادة"قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الزيادة النظر إلى وجهه الكريم وقد ذكر مرفوعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"والمراد بقوله"ناضرة"أنها مشرقة، والمراد بقوله"إلى ربها ناظرة"أنها لربها رائية؛ لأن النظر إذا عدى بكلمة إلى اقتضى الرؤية نصًا، كقوله تعالى:"فانظر إلى طعامك وشرابك"وقوله تعالى:"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت"وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله وزيادة قال: هي النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. وأيضًا: فإن الصحابة لما سألوه صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ترون ربكم عيانًا كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته. وروى: لا تضامون في رؤيته وروى: لا يلحقكم ضرر ولا ضيم في رؤيته. ومعنى ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم شبه الرؤية بالرؤية؛ وأن الرائي المعاين للقمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة لا يشك في أن الذي يراه قمر. فكذلك الناظر إليه سبحانه وتعالى في الجنة لا يشك أن الذي يراه سبحانه وتعالى بلا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحديد، وهذا كما يقول القائل: أعرف صدقك كما أعرف النهار، ورأيت زيدًا كما رأيت الشمس. ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يتجلى للخلق عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة.
ويجب أن يعلم: أن الطاعة ليست بعلة الثواب، ولا المعصية علة للعقاب، ولا يجب لأحد على الله تعالى، بل الثواب وما أنعم به على العبد فضل منه، والعقاب عدل منه. ويجب على العبد ما أوجبه الله تعالى عليه، ولا موجب ولا واجب على الله.
والحسن ما وافق الأمر من الفعل، والقبيح ما وافق النهي من الفعل، وليس الحسن حسنًا من قبل الصورة، ولا القبيح قبيحًا من قبل الصورة.
والدليل على الفصل الأول: أنه لا واجب عليه لأحد من الخليقة، وأن حقيقة الواجب ما استوجب من وجب عليه الذم بتركه، والرب تعالى عن الذم علوًا كبيرًا.