ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم، والسكوت عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: إياكم وما شجر بين أصحابي وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: ما تقول فيما شجر بين الصدر الأول ؟ فقال: أقول كما قال الله تعالى:"ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنا"وسئل عن ذلك جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. فقال: أقول ما قال الله:"علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى". وسئل بعضهم عن ذلك فقال:"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون". وسئل عمر بن عبد العزيز عن ذلك فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني؛ مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون ودواء العيون ترك مسها.
ويجب أن يعلم: أن الإمامة لا تصلح إلا لمن تجتمع فيه شرائط.
منها: أن يكون قرشيًا؛ لقوله عليه السلام: الأئمة من قريش.
والثني: أن يكون مجتهدًا من أهل الفتوى؛ لأن القاضي الذي يكون من قبله يفتقر إلى ذلك، فالإمام أولى.
والثالث: أن يكون ذا نجدة وكفاية وتهد لسياسة الأمور، ويكون حرًا ورعًا في دينه. وهذه الشرائط كانت موجودة في خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عليه السلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا وكانت أيام الخلفاء الأربعة هذا القدر، وفقنا الله للصواب، وعصمنا من الخطأ والزلل بمنه ورحمته.
اعلموا رحمنا الله وإياكم: أن أهل البدع والضلال من الخوارج، والروافض والمعتزلة قد اجتهدوا أن يدخلوا على أهل السنة والجماعة شيئًا من بدعهم وضلالهم فلم يقدروا على ذلك، لذب أهل العلم ودفع الباطل، حتى ظفروا بقوم في آخر الوقت من تصدى للعلم ولا علم له ولا فهم، ويستنكف ويتكبر أن يتفهم وأن يتعلم؛ لأنه قد صار متصدرًا معلمًا بزعمه، فيرى بجهله أن عليه في ذلك عارًا وغضاضة، وكان ذلك منه سببًا إلى ضلاله وضلال جماعته من الأمة.
واعلم: أن أخبث من ذكرنا من المبتدعة، وأكثرهم شبهًا وأعظمهم استجلابًا لقلوب العوام. المعتزلة، فجعلوا يتطلبون أن يضلوا من ذكرنا في مسألة القدر، فلم يقدروا، وكذلك في مسألة الرؤية، فلم يقدروا، وكذلك في مسألة الشفاعة والصراط والميزان، وعذاب القبر، وجميع ما أنكروه مما صحت فيه الآثار فلم يقدروا عليهم في شيء من ذلك، ولم يظفروا به، فجاءوا إلى مسألة القرآن وعقدهم فيه أنه مخلوق محدث موصوف بصفات المخلوقين، فما قدروا أن يصرحوا بكونه مخلوقًا، فما زالوا يحسنوا لهم أمورًا حتى قالوا: بأن القرآن يتصف بصفات الخلق، وذلك أكبر عمدة لهم في كونه مخلوقًا، فرضوا منهم بأن يقولوا بخلق القرآن معنى وإن لم يصرحوا به نطقًا. وكان أكبر غرض هؤلاء الجهلة ممن يتصدى للعلم وليس من أهل ذلك، أن ينفروا العوام من أهل التحقيق والذين يعرفون مغزاهم في ذلك، حتى لا يسمع كلامهم ولا يتعلم منهم حتى ينقرضوا شيئًا فشيئًا ويتم لهم ما أرادوا في الجهال والعوام.
وأنا بحمد الله وعونه وحسن توفيه أبين لك ذلك مسألة مسألة، وأذكر لك شبههم في كل مسألة، وهي أربع مسائل: مسألة القرآن وهي أهمها: والثانية: مسألة القدر والجرح والتعديل: والثالثة: مسألة الرؤية: والرابعة مسألة الشفاعة:
اعلم: أن الله تعال متكلم، له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق، ولا مجعول، ولا محدث، بل كلامه قديم صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته ونحو ذلك من صفات الذات. ولا يجوز أن يقال كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق، ولا يجوز أن يقول أحد لفظي بالقرآن مخلوق، ولا غير مخلوق، ولا أني أتكلم بكلام الله، هذه جملة أنا أفصلها واحدًا واحدًا إن شاء الله تعالى.