فأما الأدلة على صحة الشفاعة، فقد ذكرناها من الكتاب والسنة، لكن نجد ها هنا طرفًا منها. أما من القرآن فقوله تعالى:"عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا"روى عن أنس بن مالك، وأبى سعيد الخدري وجماعة من الصحابة لا يحصون عددًا: أن ذلك في الشفاعة، ثم ذكروا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار يطول ذكرها وشرحها. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وهذا فيه الحجة على الفريقين ممن أنكر الشفاعة أصلًا، ومن قال إنه لغير أهل الكبائر. وقال صلى الله عليه وسلم: أشفع إلى ربي فيحد لي حدًا فأخرجهم من النار، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأخرجهم من النار ثم ذكر الحديث إلى أن قال: حتى لا يبقى أحد من أهل الإيمان في النار. ولو كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وهذا الحديث صريح في الحجة على كل من الفريقين من المعتزلة. وأخبار الشفاعة كثيرة جدًا، وقد قدمنا منها ما في الكفاية وزيادة، ولأن الشفاعة في أقل الدارين من أقل الشفعاء تكون في الذنوب وغيرها، فما ظنك بالشفاعة في أعلى الدارين من أعلى الشفعاء عند الله عز وجل، حتى ذكر في بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم يغبط بذلك المقام، يغطبه به الأولون والآخرون، ثم تكون الشفاعة فيمن لا كبيرة له، وإنكار هذا جهل وعناد وطعن في القرآن وصحيح الأخبار.
نذكر فيا شبهًا لهم يرومون بذلك دفع الأخبار الصحاح المجمع على صحتها في صحة الشفاعة، ونحن نجيب عنها بعون الله وحسن توفيقه. فإن قالوا: هذه الأخبار تعارض بمثلها، فإنه قد روى الحسن البصري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا عن الحسن لم يصح، ولم يرد في خبر صحيح ولا في سقيم، وإنما هو اختلاف وكذب، ولا يعارض الآثار الصحاح المتفق على صحتها، ثم لو جاز أن يكون قد روى فلم يسقط الصحيح المجمع على صحته بالضعيف السقيم الذي لا أصل له. مع إمكان الجمع بين الكل، واستعمال الجميع، فتحمل صحاح الأخبار على ما قلا، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر التي تخرج من الإسلام، نحو الكفر بعد الإيمان، أو استحلال ما حرم الله، أو تكذيب بعض الرسل أو بعض الكتب، ويصير هذا كما قلنا إنا نجمع بين كل ما ذكر في القرآن، وإن كان ظاهره يناقض بعضها بعضًا عند الجهال مثلكم، فإنه تعالى قال:"هذا يوم لا ينطقون"ثم قال في موضع آخر:"وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون"فيحمل هذا على أنهم لا ينطقون عند الصراط، والميزان، والكتب، ويسأل بعضهم بعضًا بعد ذلك، حتى لا نسقط شيئًا من كتاب الله ولا ينقض بعضه ببعض فكذلك يحمل قوله: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي في حق من يبقى على الإيمان حتى يخرج من دار الدنيا، ويحمل ما ذكروا لو كان صحيحًا على من خرج من الدنيا على غير إيمان، ونكون أسعد وأولى، لأنا نثبت الصحيح بتأويل لشيء باطل لا أصل له أن لو صح، وهم يسقطون الصحيح المتفق على صحته بشيء باطل لم يصح.
فإن قيل: هذا لا يصح مع قوله عليه السلام: لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي والكافر بما ذكر به ثم ليس من أمته، قلنا: بل يصح ذلك من وجهين: أحدهما: أنه أراد بذلك من كان من أمتي ثم ارتد، أو نحو ذلك، فقد يجوز أن يسمى الشيء بما كان عليه أولًا، وإن كان في الحال لا يسمى به، ألا ترى إلى ما قال صلى الله عليه وسلم في النبيذ: ثمرة طيبة وماء طهور يعني كان ثمرة طيبة وماء طهورًا، لا يريد أنه في الحال ثمرة، وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم بلالًا: ارجع فناد ألا إن العبد نام ولم يرو أنه الآن عبد، بل أراد أنه كان عبدًا، لأن الصديق أعتق بلالًا قبل ذلك. يقال لعتيق الرجل: عبد بني فلان، أي كان عبدًا لهم، ونحو ذلك كثير. ويحتمل أن يكون سماهم من أمته، لأنهم كانوا في عصره ووقته وقرنه، وكل قرن يسمى أمة، ويكون ذلك فيمن كان آمن به في وقته ثم ارتد، فمن ذكر من أهل الردة، أو كان في وقته ولم يؤمن، وسماه من أمته لأنه في قرنه وعصره. فصح ما قلناه وبطل تعلقهم بما لا أصل له.