الصفحة 6 من 75

وأنه سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد، فيرونه بالأبصار، على ما نطق به القرآن في قوله:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"وتأكيده كذلك بقوله في الكافرين:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"تخصيصًا منه برؤيته للمؤمنين، والتفرقة فيما بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به عن موسى عليه السلام، في قوله:"رب أرني أنظر إليك"ولولا علمه بجواز الرؤية بالأبصار لما أقدم على هذا السؤال.

وأن يعلم: مع كونه تعالى سميعًا بصيرًا: أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق: من الطعوم، والروائح، واللين، والخشونة، والحرارة، والبرودة؛ بإدراك معين، وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات. فتعالى الله عن التصوير والجوارح، والآلات.

وأن يعلم: أنه مع إدراك سائر الأجناس من المدركات وجميع الموجودات، غير ملتذ ولا متألم بإدراك شيء منها، ولا مشقة له منها ولا نافر عنها، ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها. ولا يجانس شيئًا منها، ولا يضادها، وإن كان مخالفًا لها.

وأن يعلم: أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته، وأنها في أنفسها غير متغايرات؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما الآخر بالزمان، والمكان، والوجود والعدم. وأنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته، وأن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.

وأن يعلم: أن صفات ذاته هي التي لم تزل، ولا يزال موصوفًا بها، وأن صفات أفعاله هي التي سبقها، وكان تعالى موجودًا في الأزل قبلها.

ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلها راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة، لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد بها لكل حادث في سمائه وأرضه مما يتفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبًا لعباده، من خير، وشر، ونفع، وضر، وهدى، وضلال، وطاعة، وعصيان، لا يخرج حادث عن مشيئته. ولا يكون إلا بقضائه وإرادته.

وأن يعلم: أن كلام الله تعالى صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفًا به وأنه قائم به ومختص بذاته، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظًا بالقلوب ومتلوًا بالألسن، ومكتوبًا في المصاحف، ومقروءًا في المحاريب، على الحقيقة لا على المجاز وغير حال في شيء من ذلك، وأنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلمًا به، وآمرًا وناهيًا.

ومخبرًا وقائلًا:"إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني"وذلك خلاف دين المسلمين، وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسمًا من الأجسام، ولا جوهرًا،، ولا عرضًا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر، ومحدثًا كهو: يتعالى الله سبحانه أن يتكلم بكلام المخلوقين.

وأن يعلم: أن كلامه مسموع بالآذان، وإن كان مخالفًا لسائر اللغات، وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه مرئي بالأبصار، وإن كان مخالفًا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموحودات، وأن سامع كلامه منه تعالى بغير واسطة ولا ترجمان. كجبريل، وموسى، ومحمد عليهم السلام حق، سمعه من ذاته غير متلو ولا مقرره، ومن عداهم ممن يتولى الله خطابه بنفسه إنما يسمع كلامه متلوًا ومقروءًا، وكذلك قال الله عز وجل:"وكلم اللّه موسى تكليمًا"وقال:"منهم من كلم اللّه"وأن قراءتنا القرآن كسب لنا نثاب عليها، ونلام على تركها، إذ وجبت علينا في الصلوات. وأنه لا يجوز أن يحكي كلام الله عز وجل ولا أن يلفظ به لأن حكاية الشيء مثله وما يقاربه وكلام الله تعالى لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به بتكلم الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام الله تعالى قائمًا بذاتين قديم ومحدث وذلك خلاف الإجماع والمعقول. وأن كلام الله تعالى غير متبعض ولا متغاير، وأن الصفة هي ما قامت بالشيء وأن الوصف قول الواصف الدال على الصفة خلاف ما يذهب إليه القدرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت