والدليل على حدوث هذه الأعراض: ما هي عليه من التنافي والتضاد، فلو كانت قديمة كلها لكانت لم تزل موجودة، ولا تزال كذلك، ولوجب متى كانت الحركة في الجسم أن يكون السكون فيه، وذلك يوجب كونه متحركًا في حالة سكونه، وميتًا في حال حياته، وفي بطلان ذلك دليل على طروق السكون بعد أن لم يكن، وبطلان الحركة عند مجيء السكون، والطارىء بعد عدمه، والمعدوم بعد وجوده محدث باتفاق؛ لأن القديم لا يحدث ولا يعدم، ولا يبطل.
والدليل على حدوث الأجسام: أنها لم تسبق الحوادث، ولم تخل منها، لأننا باضطرار نعلم: أن الجسم لا ينفك من الألوان، ومعاني الألوان من الاجتماع والافتراق، وما لا ينفك من المحدثات، ولم تسبقه كان محدثًا. ولأنه إذا لم يسبقه كان موجودًا معه في وقته أو بعده، وأي ذلك وجد وجب القضاء على حدوثه، وأنه معدوم قبل وجوده.
وأن يعلم أن للعالم محدثًا أحدثه. والدليل على ذلك وجود الحوادث متقدمة ومتأخرة مع صحة تأخر المتقدم وتقدم المتأخر، ولا يجوز أن يكون ما تقدم منها وتأخر متقدمًا ومتأخرًا لنفسه، لأنه ليس التقدم بصحة تقدمه أولى من التأخر بصحة تأخره، فوجب أن يدل على فاعل فعله، وصرفه في الوجود على إرادته وجعله مقصورًا على مشيئته، يقدم منها ما شاء ويؤخر ما شاء. قال الله تعالى:"فعال لما يريد"وقال:"إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون"ويدل على علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلًا كتعلق الفاعل في كونه فاعلًا بالفعل، فإن تعلق الكتابة، والصناعة بالكاتب والصانع كتعلق الكاتب في كونه كاتبًا بالكتابة؛ فلو جاز وجود فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب، وصورة وبنية محدثة لا من مصور، لجاز وجود كاتب لا كتابة له، وصانع لا صنعة له، فلما استحال ذلك وجب أن يكون اقتضاء الفعل للفاعل ودلالته عليه كاقتضاء الفاعل في كونه فاعلًا. لوجود الفعل وحصوله منه، ومن صفات هذا الصانع تعالى أنه: موجود، قديم، واحد، أحد، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، سميع، بصير، باق"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"وستدل على ذلك فيما بعد إن شاء الله بعد البداية بفرائض المكلفين، وشرائع المسلمين مما يقرب فهمه ولا ينبغي جهله، ولا بد للمكلف من علمه والعمل به فإذا أتينا على هذه الجملة رجعنا إلى القول في التوحيد، وإثبات أسماء الله تعالى وصفاته، وذكر ما يجوز عليه وما يستحيل في صفته، وما توفيقي إلا بالله.
وأن يعلم: أن أول نعم الله تعالى على خلقه الحي الدراك خلقه فيهم إدراك اللذات، وسلامة الحواس، ونيل ما ينتفعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم، وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم، وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام، وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار، وهذه نعمة الله سبحانه على جميع الحيوان الحاس، العاقل منهم والناقص، والمؤمن والكافر.
وأن يعلم أن أفضل وأعظم نعمة الله على خلقه الطائعين وعباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم، وإجراؤه على ألسنتهم، وتوفيقهم لفعله، وتمكينهم بالتمسك به. وخلق الإيمان، والتوفيق له نعمة خص الله تعالى بها المؤمنين دون الكافرين، ولذلك قال عز وجل""فلولا فضل اللّه عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين""ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا""ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدًا " وقال عز وجل""وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " وقال تعالى:"بل اللّه يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين"فلو كانت هذه النعمة له على الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه على المؤمنين به، إذ كان قد أنعم بها على المردة والكفرة الضالين.
وأن يعلم: أن طرق المباين عن الأدلة التي يدرك بها الحق والباطل خمسة أوجه: كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة وما استخرج من هذه النصوص وبنى عليها بطريق القياس والاجتهاد حجج العقول. قال الله تعالى آمرًا باتباع كتابه والرجوع إلى بيانه:"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها". وقال عز وجل:"ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا". وقال تعالى:"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"وقال سبحانه:"تِبْيَانًا لكل شيء"و"ما فرطنا في الكتاب من شيء"