وأيضًا فإنه أمر بالتلاوة والقراءة، والأمر هو استدعاء الفعل، والفعل صفة المأمور لا صفة الآمر؛ ألا يرى أنه أمر بالعبادة، والعبادة صفة العابد لا المعبود. ويدل عليه أيضًا قوله تعالى:"وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك"فأخبر تعالى أنه لم يكن تاليًا، ثم جعله تاليًا ولم يكن كاتبًا، ولم يجعله أيضًا في الثاني كاتبًا، وقد جعل غيره تاليًا لكلامه كاتبًا له، ومعلوم عند كل عاقل أن ما لم يكن ثم كان وهي التلاوة؛ صفة للرسول لم يكن موصوفًا بها ثم صار موصوفًا بها، غير كلام الله الذي هو صفة له لا يستحق غيره الوصف بها ولا يتصف بأنه لم يكن ثم كان، ومعلوم أن الرسول كان تاليًا قبل أن تكون أمته تالية، وحافظًا قبل أن تكون أمته حافظة، ثم صارت أمته تالية حافظة لما أقرأها وحفظها، فتلاوته غير تلاوة أمته لتقدمها عليها وتلاوة أمته غير تلاوته لتأخرها عنها والذي تلاه بتلاوته فهو كلام الله القديم وكذا الذي تلته أمته بتلاوتها. فلا يخفى على عاقل أن التلاوة غير المتلو، كما أن العبادة غير المعبود، والذكر غير المذكور، والشكر غير المشكور، والتسبيح غير المسبح، والدعاء غير المدعو إلى غير ذلك.
ويدل على صحة ذلك من السنة وأن القراءة والتلاوة صفة القارىء، والمقروء المتلو صفة الباري قوله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يقرأ القرآن غضًا فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، يعني ابن مسعود، فأضاف القراءة إلى ابن مسعود، والمقروء صفة الله تعالى، والذي يدل على صحة هذا القول أنه يجوز أن يقال هذا الحرف قراءة ابن مسعود وليس قراءة أبي وغيره من القراء، ولا يجوز أن يقال إن المقروء الذي يقرأه ابن مسعود غير المقروء الذي يقرأه أبي، لأن القراءة تكون غير القراءة والقرآن الذي يقرأه هذا بقراءته هو القرآن الذي يقرأه هذا أنه شيء واحد لا يختلف ولا يتغير، وإن تغيرت القراءة له واختلفت. والذي يوضح لك هذا ويبينه تبيينًا مستوفيًا أن عمر رضي الله عنه لما مر على بعض الصحابة وهو يقرأ سورة الفرقان على خلاف قراءة عمر فأنكر ذلك عليه وقال: قد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف هذه القراءة ولببه حتى أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: خل عنه؛ إقرأ يا عمر فقرأ فقال: هكذا أنزل، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ بالقراءة التي سمعها عمر منه فقال: هكذا أنزل. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه. فأخبر صلى الله عليه وسلم باختلاف القراءتين وأن كل واحدة منهما تؤدي إلى ما تؤدي إليه الأخرى، وهو المتلو المقروء القديم الذي لا يختلف ولا يتغير. وأيضًا ما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه من عدة طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم واتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف، ولكن بالألف عشر الحديث.