الخطيئة الوحيدة التي لا تغتفر هي أن تستخدم الناس وكأنهم رعايا لك، وكان يقدر العظمة والإمتياز، ورغم أني لم أكن دائما أتابع كلماته، إلا أني كنت واثقا أني في حضور إنسان عظيم،، وحين وقف اليوت يرد على كلمته وصفه بأنه «ذو عقل أصيل غير عادي، ولم يكن كغيره من الأغبياء الذين يحولون كل شيء إلى أبيض وأسود، وكان على وعي بالطبيعة البطولية للتاريخ كما لم يكن غافلا عن روح الإنجيل وكان يفهم أسس التاريخ» ، والواقع أن كلمات اليوت كانت كلمات مختارة ومنتقاة وتشير بشكل واضح إلى الإضافات التي قدمها اليوت إلى البناء الفكري والثقافي لكيسنجر وخاصة في تلك المرحلة المبكرة من نموه الفكري
وخارج نطاق الجامعة كان ثمة عالم أخر يموج بالتغير والغليان، كانت الحرب الباردة بين الشرق والغرب قد بدأت تأخذ شكلها الحاد ووقعها الضيق على الحياة الأمريكية. وفي الأوساط الجامعية ربما كان المجرى الذي تأخذه هذه الحرب وما إرتبط بها من إنقلابات شيوعية في شرق أوروبا وفي أسيا وفي فيتنام والصين لا يمثل خطرة مباشرة بالنسبة لعدد كبير من الأكاديميين الذين أعتبروا هذا التطور بعيدا عنهم. وأما كيسنجر فإن تاريخه وتجربته الشخصية مع الحكم النازي جعلت من كل توتر وغليان أيا كان موقعه وبعده، له معنى التهديد الشخصي، ولهذا فقد ثارت مخاوفه وشكوكه التي نماها ما لديه من ثقة ضئيلة في قدرة الخير على الانتصار على الشر أو عبارات مطلقة مثل العائلة الإنسانية، فمن تجربته الشخصية ومن ملاحظته المبدئية للتاريخ أعتقد أن القوة هي العنصر الفعال في التاريخ وأن مجرد الرغبة في السلام لا تعني القدرة على تحقيقه، إلا أن السؤال الذي بدأ يتشكل أمامه هو كيف تستعمل هذه القوة التحقيق السلام، وسيصبح هذا السؤال هو مركز تفكيره الإستراتيجي فيما بعد، وهذه الأفكار الأولية هي التي شكلت نتاجه الأكاديمي ورسالة تخرجه الأولى التي قدمها عام 1900 و قضى في الإعداد لها ثلاث سنوات وجاءت تحت عنوان «معنى التاريخ: